هل نعيش في أشمخ الحضارات البشرية التي نشأت عبر التاريخ؟

هل نعيش في أشمخ الحضارات البشرية التي نشأت عبر التاريخ
هل نعيش في أشمخ الحضارات البشرية التي نشأت عبر التاريخ

هل نعيش في أشمخ الحضارات البشرية التي نشأت عبر التاريخ؟

Loading

هل نعيش في أشمخ الحضارات البشرية التي نشأت عبر التاريخ؟

هل أوَّل ما خطر في بالك هو الأبنية الشاهقة والتكنولوجيا المتقدِّمة؛ الأبحاث العلمية والاختراعات.

إن كانت الحضارة هي على هذه الصورة التي رسمتها في عقلك فلماذا قامت الولايات المتَّحدة الأمريكية خلال حربها الباردة مع الاتّحاد السوفييتي بتكلُّف عناء نشر فنٍّ جديدٍ في العالم؛ فنٍّ يحمل الطابع الأمريكي ويعبِّر عن الحضارة الأمريكية وهو “الفن” التشكيلي.

الولايات المتحدة بحضارتها ذات العمر الذي لا يزيد عن أربعة قرون في مواجهة الاتّحاد السوفييتي صاحب الحضارة الأقدم التي علت وشكَّلت إمبراطوريات؛ وكان لها فنونها الخاصَّة التي تحمل طابعها (من رسم وموسيقا وشعر وفلسفات)؛ فرأت الولايات المتَّحدة أنَّها ليست أهلا لمنافسة السوفييت على قيادة العالم  دون فنٍّ يكون خاصَّاً بها، وطريقة عيشٍ وفلسفات (حضارة) تفتخر بها وتنشرها في العالم، فصنعت الفنَّ التشكيلي .

ولسنا هنا في صدد مناقشة الفنّ التشكيلي، وهل هو فنٌّ أصلاً، وإنَّما لنعرف “هل نحن نعيش في أشمخ الحضارات البشرية التي نشأت عبر التاريخ. 

ما الذي قدَّمه العصر الذي نعيشه للبشرية؟

كلُّ ما قدَّمه عصرنا للبشرية هو اختراعاتٌ وأدواتٌ لتسهيل العيش الآني، كلُّ ما قدَّمه جيلنا هو فلسفاتٌ تفرِّغ الإنسان من المعنى، وتضعه في دوَّامة المادية وإفراغ المعنى من كلِّ فعل، كلُّ ما قدَّمه جيلنا هو ميراثٌ يُثقل كاهل الأجيال الآتية بالفلسفات والأفكار وطرق العيش والتعامل الغربية كـ: تقديس الإنسان أو تبخيسه أو الغلوّ في تقديسه أو احتقاره. براغماتية تُسقط كلَّ علاقةٍ لا تقوم على فائدةٍ أو مصلحةٍ ذاتية _كالعلاقة الأسرية مثلا_، عدميةٌ تُسقط كلَّ معنىً في أيِّ فعلٍ، وعلاقةٌ تجعل فعل الفعل وعدمه سواءً. سيولةٌ تُسقط الفوارق بين قيم الجمال والقبح؛ بين الخير والشرّ؛ وهذا انحرافٌ عن مسار البشرية مذ بدأت.

ستلتقط الأجيال المقبلة هذا الميراث متسائلةً:

هم حسَّنوا الحياة الآنية وزادوها سهولةً؛ وهم مهيؤون بل مطالبون بذلك، ولكن لماذا غامروا ووضعوا طرق عيشٍ وفلسفاتٍ تحتمل الخطأ والصواب، في حين كانت هناك مرجعيةٌ مُطلقةٌ منزَّهةٌ عن الخطأ من الممكن أن يستندوا عليها وهي الإله.

مسدس أم.. مزهرية

مسدس أم مزهرية
مسدس أم مزهرية

مسدَّس أم.. مزهرية

Loading

مسدس أم.. مزهرية

يقول صانع المسدَّسات: أحببت صناعة المسدَّسات منذ صغري، وصنعت إلى اليوم ما يُقارب مئتي مسدَّس، ومع التطوُّر الحاصل ودخول الذكاء الصناعي أضفت إلى هذه المسدَّسات تقنية الذَّكاء الصناعي فأصبحت تعلَم متى يجب أن تكون جاهزةً للإطلاق وحدَها، وتستطيع أن تتحسَّس وجود خطرٍ، وما إلى ذلك، وقد كانت جميلةً ومُتقنة، إلى أن صنعت يوماً مسدَّساً جديداً، وخطر في بالي فكرة أن أُهدي صديقي الذي يأتي بإجازةٍ من بلاد المهجر هدية، وقد كانت الهدية مسدَّساً صنعته ووضعت فيه زهرةً، ولم يخطر في بالي ما سيحدث، فقد اقتنع المسدَّس المزوَّد بالذكاء الصنعيّ ولأنَّني وضعت فيه زهرةً بأنَّه مزهرية! وصار مصمِّماً على ذلك، فهو في نظره مزهريةٌ وليس مسدَّساً، وتناسى كلَّ التقنيات المصمَّمة لفعاليته في القتل والدفاع عن النفس، ونسيَ شكله، ومعدنه، وزناده… وكلَّ شيء، فهو مزهرية.

وهنا كان لابدَّ من التواصل مع المسدَّس عبر الحاسب لمعرفة ما أصابه، فلماذا انفصل عن هويته، وتناسى واقعه؟ 

وفي نقاشٍ معه عبَّر المسدَّس عن أنَّه يستطيع أن يضع زهرةً في فوهته, وأنَّه أحبَّ هذا الأمر، ووجده أفضل من مهمَّته الأساسية في القتل والدفاع عن النفس، وهذا يعني أنَّه مزهريَّة، وكان جوابي: كونك أحببت عمل المزهرية لا يعني أنَّك في الحقيقة صرت مزهرية، وذلك لأسبابٍ عديدة: أوَّلاً لأنَّك صُنعتَ لتكون مسدَّساً فشكلُك شكل المسدَّس، ومعدنك معدن المسدَّس، وتقنياتك مجهَّزةٌ لأعمال المسدَّس، ممَّا يعني أنَّك بعمل المزهرية لن تكون في الكفاءة المطلوبة، لأنَّك غير مجهَّزٍ لتكون مزهرية، وأنت أصلاً لا تتَّسع إلَّا لزهرةٍ واحدة، وغير مصمَّم لتحتفظ بالماء اللازم للزَّهرة، إضافةً إلى السبب الأهمّ وهو أنِّي إنَّما صنعتُك مسدَّساً لا مزهرية، وأنا من يحدِّد ما ستكون. وإن كنت لا تفضِّل القيام بمهام المسدَّس؛ وتريد عمل المزهرية فإنَّ ذلك لا يجعلك مزهرية، إنَّما أنت مسدَّسٌ شاذٌّ مختلفٌ عن بقية المسدَّسات، ولا يقوم بعملها.

وأخيراً، لايزال المسدَّس يفكِّر بغباءٍ فيما إن كان مسدَّساً أو مزهرية.

الشباب أمل الأمة

غلاف الشباب أمل الأمة
الشباب أمل الأمة

الشباب أمل الأمة

Loading

الشباب أمل الأمة

شباب اليوم انفتحت أمامهم مصادر المعرفة، وتكاثرت عليهم الآراء المتباينة. وانتشرت في ثقافاتهم الأفكار والنوايا المغرضة، التي يراد بها تشكيك المسلمين في دينهم، وانحرافهم عنه، ما بين مسموعٍ ومرئيٍّ ومقروء، وقد تعدَّدت المصادر التي تأتي منها الأفكار والعلوم، وأصبحت المعرفة الموجَّهة إلى الشباب ذات أبعادٍ متنوِّعةٍ من فكريةٍ إلى عقديَّةٍ إلى أخلاقية، إلى ملذَّاتٍ ودعوةٍ لتسليم النفس قياد الهوى، والنفس أمارة بالسوء.

ومن المناسب أن يفقه الشاب في محضنه التربويّ حقيقة أنَّ السيطرة على الشهوة وضبطها ليس بالأمر العسير، فكيف يأمر الله تعالى بالعفَّة وصون النفس عن تفريغ الشهوة في باطلٍ ويكون ذلك عسيراً؟ فهذا منافٍ لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا﴾ وإنما تتمرَّد الشهوة على صاحبها وتطوِّعه لها حينما يعرض نفسه لدواعيها، وينأى بنفسه عن معالم الطريق الذي رسمه الشارع الحكيم للتَّعامل معها، فهذا ما يجعل الأمر بالنسبة إليه عسيراً.

لذلك اعتنى الإسلام بالشباب عنايةً فائقةً ووجههم توجيهاً سديداً نحو البناء والنماء والخير, واهتمَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بالشباب اهتماماً كبيراً، فقد كانوا الفئة الأكثر التي وقفت بجانبه في بداية الدعوة فأيَّدوه ونصروه ونشروا دعوة الإسلام وتحمَّلوا في سبيل ذلك المشاق والأهوال.

 #ونحن_ماذا_قدَّمنا_للدين؟

لقد علم أعداء الإسلام أنَّ نهضة الأمَّة الإسلامية تكون بالشباب والتزامهم. ولذلك عملوا على تشتيت أفكارهم وبثِّ تيَّار الشّبهات وبحر الشهوات بينهم. حطَّموا الشباب من خلال العكوف على الأجهزة الذكيَّة والألعاب الإلكترونية.

لم يبقَ لدى الشباب قدواتٌ سوى الفنان الفلانيّ واللاعب الفلانيّ.

لكلِّ مصيبةٍ: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

لقد لجأ أعداء الإسلام لتحقيق أهدافهم التي خطَّطوا لها إلى عدَّة وسائل، أهمُّها السيطرة على الإعلام بجميع أقسامه، وإشغال الناس ببرامج التلفاز التي تبثُّ برامجها والشبهات والشهوات على مدار 24 ساعةً للسيطرة على عقولهم باللهو واللعب وصرفهم عن قيمهم ومبادئهم، وإشغالهم عن القيام بواجباتهم، فهم يستخدمون في ذلك كلَّ أدوات الهدم والإفساد.

👈 لذلك كان من الواجب أن تهبَّ فرقةٌ من الشباب يَنذرون أنفسهم للدِّفاع عن الدين، وما يحيط به، ويثار حوله من هذا الواقع المرير والخطير ثمَّ تضع البرامج اللازمة لمواجهة هذا الخطر المحدق.

بقلم: أ. محمد فواز الأمين

فمن خلق الله

غلاف فمن خلق الله
فمن خلق الله

فمن خلق الله

Loading

فمن خلق الله

يطرح الناس كثيراً من الأسئلة في مواضيع العقيدة، ويطالبون بتقديم جوابٍ وافٍ عن كلِّ سؤالٍ يخطر في بالهم، وبعض هذه الأسئلة نابعٌ من تصوُّرٍ خاطئٍ لبعض المسائل يحتاج إلى تصحيحٍ ليزول الإشكال.

سنجيب في هذا المقال عن أحد هذه الأسئلة وهو: “من خلق الله؟” وفق خطواتٍ متسلسلةٍ، ثمَّ نعرض الحلَّ النَّبويَّ وهو الحلُّ الأمثل لهذه الشبهة وغيرها.

أوَّلاً: (الإله) في الإسلام

نبدأ بعرض التصوُّر الإسلاميّ للإله، وهو التصوُّر الصحيح، حتَّى يتبيّن أنَّ سؤال: “من خلق الله؟” يُلزمنا بأشياء _نحن المسلمين_ لا نعتقدها .
فالله تعالى موصوفٌ بكلِّ صفات الكمال، ومنزَّهٌ عن كلِّ نقصٍ فهو الغنيُّ عن كلِّ ما سواه.
ومن هذه الصفات القِدَم: والقديم هو: ((ما لا أوّلَ لوجودِهِ؛ أي أنَّ وجودَهُ أزليٌّ لم يسبقْهُ عدمٌ))[شرح العقيدة الوسطى: الإمام السنوسي.]، وهو الذي ذُكر في القرآن الكريم بلفظ الأوَّل في قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّل وَالْآخِر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ والمقصود بالأوَّل: (الموجود قَبْل كُلِّ شَيْءٍ بِلَا بِدَايَةٍ) [تفسير الجلالين].

ثانياً- معالجة الاعتراض :

  1. الخطأ في السؤال:
    تُطرح هذه الشبهة بناءً على تصوُّرٍ خاطئٍ لمبدأ السببية، فالسائل يظنُّ السببية كقولنا: إنَّ كلَّ موجودٍ لابدَّ له من سبب، وهذا تعريفٌ باطلٌ للسببية، والصحيح هو أنَّ كلَّ حادثٍ (وهو ما كانت له بداية) لابدَّ من سببٍ لبدايته. ونحن نعتقد أنَّ الله تعالى لا بداية لوجوده كما سبق وبيّنا، فسؤال: من خلق الله؟ هو كسؤالنا “ما هو سبب بداية الذي لا بداية له؟” أو “من قبل الذي ليس قبله شيء؟” والخطأ واضحٌ في هذين السؤالين، والسؤالان هما من الأسئلة التي ليس لها معنى لأنَّها تؤدِّي إلى التناقض .
    وقد يسأله البعض لا من باب الاستفسار بل من باب الإلزام، وهو إلزامٌ لنا بما لا يلزمنا.
    فإذا سألنا: “كم عدد أضلاع الدائرة؟” فسيقولون: ليس للدائرة أضلاعٌ، وسؤالك يفترض لها أضلاعاً، وهو افتراضٌ خاطئٌ يتناقض مع مفهوم الدائرة، وهو سؤالٌ لا معنى له .
    وهذا الخطأ، وانعدام المعنى ذاته في سؤال: “من خلق الله؟”
  2. كون الخالق مخلوقاً يستلزم التناقض :
    لو كان الإله مخلوقاً، لكان لابدَّ له من خالقٍ أوجده، وهذا الخالق لا بدَّ له من آخر يُوجِدُه، وهكذا إلى ما لا نهاية، وحتَّى نكون موجودين يجب انقضاء هذه السلسلة اللامتناهية وانتهاؤها، وانتهاء ما لا يتناهى باطل .
    فإمَّا أنَّنا غير موجودين، وهذا يرفضه العقل والحسّ، وإمَّا أنَّ هذه السلسلة انتهت إلى خالقٍ وجوده من ذاته لا يحتاج إلى شيءٍ، ((قديمٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء))[العقيدة الطحاوية: الإمام أبو جعفر الطحاوي.] .
    وهذا الذي نريده ويُسمَّى بصانع العالم أو (الله).
    ويلخِّص الإمام الغزالي ذلك فيقول:
    ندَّعي: أنَّ السبب الذي أثبتناهُ لوجود العالم قدیمٌ؛ فإنَّه لو كان حادثاً لافتقرَ إلى سببٍ آخرَ، وكذا ذلك السببُ الآخرُ، ويتسلسلُ: إمّا إلى غير نهايةٍ وهو محالٌ، وإمَّا أن ينتهيَ إلى قديم -لا محالةَ- يقفُ عنده، وهو الذي نطلبُهُ، ونسمّيه: صانعَ العالم، ولا بدَّ من الاعتراف به بالضرورة.[الاقتصاد في الاعتقاد: الإمام أبو حامد الغزالي]
ثالثاً- العلاج النَّبويّ :

إنَّ نبيّنا المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم أجاب منذ أكثر من ألفٍ وأربعمئة سنةٍ عن هذه الشبهة، وحوى جوابه الغاية في الكمال، فحاز أسلوبه على الإجابة الوافية والوقاية الكاملة، ونلخِّصها في نقطتين :

  1. الإعراض عن الوساوس، والتضرُّع والالتجاء إلى الله ليذهب هذه الوساوس، وهذا يتجلَّى في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في صحيح مسلم: “يأتي الشيطان أحدَكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتَّى يقول له: من خلق ربَّك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولِيَنْتَه “.
    وهذا لقطع الطريق أمام الأمراض النفسية النابعة عن كثرة الوساوس فتؤدِّي إلى إصابة الإنسان بما يدعى الوسواس القهري (والوسواس القهري: هو اضطرابٌ نفسيٌّ يجعل الشخص يفكِّر كثيراً بأفكار ومخاوف لها نمطٌ معيَّنٌ متكرِّرٌ، تسبِّب التوتُّر الشديد، ويكون الشخص غير قادرٍ على التخلُّص من هذه الأفكار، وتجعله يقوم بتصرُّفاتٍ قهريةٍ من أجل التقليل من التوتر، لكنَّ الذي يحصل هو أنَّ الأفكار تستمرُّ، والأفعال القهرية تتكرَّر، وكأنَّه يدخل في حلقةٍ مُفرغة)، فيعيش الشخص في حالةٍ من الصراع مع نفسه للخروج من هذه الحالة فلا يقدر، وحتَّى لو أُجيب عن سؤاله جواباً شافياً فسيبقى يدور في عقله، وتتولَّد أسئلةٌ أخرى من لا شيء.
    ولم يكتفِ صلَّى الله عليه وسلَّم بتجنُّب مصدر الإزعاج، وعدم الاستماع والاذعان له، بل أعطى الجواب الشافي المختصر من جوامع كَلِمِه عليه أفضل الصلاة والسلام المتمثِّل في النقطة الثانية :
  2. أجاب النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن هذه الشبهة بتوضيح أنَّ الله تعالى مغايرٌ ومُختلفٌ عن الخلق، وإنَّ اعتباره من ضمنهم لهو خطأٌ كبيرٌ، فقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في صحيح مسلم: “فليقل: آمنتُ بالله“، وزاد في أخرى: “ورُسُله“، ولأبي داود والنسائي من الزيادة: “فقولوا: ((الله أحدٌ، الله الصمد)) -السورة- ثمَّ لِيَتْفُلْ عن يساره، ثمَّ لِيَسْتَعِذْ.” هي تذكيرٌ للنفس بأنَّ الذي تؤمن به ليس المخلوقَ المحتاجَ بل الخالق الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفُواً أحد.
    فالأحد معناه: الذي لا ثاني له ولا مثل، فلو فُرض مخلوقاً لم يكن (أحداً) على الإطلاق.
    والصمد: هو الذي لا يحتاج شيئاً، بل الأشياء هي المُحتاجة إليه .
    وبالتالي فإنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُشير إلى أنَّ الله لا يشبه المخلوقات، ولا يتَّصف بصفات الحوادث، فهو ليس حادثاً، وليس متولِّداً عن شيءٍ؛ بل هو خالقٌ قديمٌ ليس كمثله شيء .
ختاماً :

إنَّ الإسلام لم يحجر على عقل أيِّ شخص، ولم يمنع أحداً من السؤال، لكنَّ الذي يطلبه هو التفكير المضبوط بموازين العقل وقواعد المنطق، و الذي سيوصلنا بالضرورة إلى الإسلام .

والحمد لله الذي هدانا للإسلام، ووفَّقنا لقبوله والإذعان له والاصطباغ بحقائقه.

محمد برو

بقلم: أ. محمد برو

معالم تتضح عن القوة الناعمة

معالم تتضح عن القوة الناعمة
معالم تتضح عن القوة الناعمة

معالم تتضح عن القوة الناعمة
بقلم: أ. محمد كركوتلي

Loading

معالم تتضح عن القوة الناعمة 

لطالما كنت أنظر الى الرياضة بشكلٍ عام وإلى كرة القدم بشكلٍ خاصٍّ على أنَّها لعبة نزاهةٍ تنشر المحبَّة، وتعزِّز التعاون بين أفراد الفريق، أو ربَّما كانت هذه الصورة التي تزرعها في عقولنا “برامج الأطفال، والرسوم المتحركة”، وأنا لا أنكر صحّة هذه الصورة في بعض الحالات.

ولكن، ما الذي تغيَّر في نظري اتّجاه هذه الرياضة؟ ولماذا؟

أشخاصٌ يهرولون وراء كرةٍ مملوءةٍ بالهواء على أرضٍ عشبية، هذه هي كرة القدم في نظري، ولعلَّها نظرةٌ عدميةٌ مجردةٌ قد لا تراها عادلةً، وربَّما تكون وجهة نظري خاطئةً فلعلّك تراها لعبة ذكاءٍ وتخطيطٍ ولياقة.

حسناً ماذا لو كانت وجهتا نظرنا عن كرة القدم خاطئتين معاً من وجهة نظرٍ ثالثة، ماذا لو كانت لعبةً تحمل في طيَّاتها القوَّة، ولكن أين تكمن القوَّة في لعبةٍ تبدو عاديةً لو جرَّدتها؟

تخيَّل معي بعد تجريدها، ولو لم تكن تراها هكذا. كرة القدم هذه من الممكن أن تشعل حروباً بين البلدان

كالحرب بين السلفادور والهندوراس عام 1969، قد تقول لي: هي بلدانٌ متخلِّفةٌ همجيةٌ لا تقدِّر الرياضة، فانظر إلى حادثة ملعب بروكسل، حيث اصطدمت جماهير ليفربول ويوفنتوس عام 1985، فقتل 36 شخصٍ، وجرح أكثر من 550 شخصٍ. قد تقول: هذه حادثةٌ قديمةٌ، فانظر إلى الحادثة التي وقعت بين فينورد الهولندي، وروما الإيطالي عام 2015.

حسناً إن كانت كرة القدم قادرةً على إشعال الحروب، وتحريك جماعاتٍ، فحتمية قدرتها على تغيير معتقدات الأشخاص والتأثير على سلوكياتهم واقعة.

فها نحن نرى كيف يقصُّ بعض الناس شعرهم كما يفعل لاعبهم المفضَّل، ويرتدون ثيابهم كما يرتدي، ويحلمون بالعيش كما يعيش، وهنا يتحقَّق حديث الرسول الكريم صلَّى الله عليه وسلّم: “حتَّى يُقالَ لِلرَّجُلِ: ما أجْلَدَهُ! ما أظْرَفَهُ! ما أعْقَلَهُ! وما في قلْبِهِ حبَّةُ خرْدَلٍ من إِيمانٍ“. فهل يعقل أن تكون هذه القوَّة موجودةً دون أن يسعى الساعون إلى استغلالها.

لقد تمَّ استغلال كرة القدم لتصدير طريقة العيش (life style) الغربية سابقاً، تماماً كما استخدمت أفلام هوليوود.

فقد استخدمت لترويج ثقافة الاستهلاك، ولذلك نرى تسابق الشركات الرأسمالية إلى رعاية المنتخبات والفرق الرياضيَّة.

والأهمُّ من هذا كلِّه ما نراه من استغلال دولٍ وحركاتٍ عالميةٍ لكرة القدم من أجل ترويج أفكارهم، فها هو ذا اليسار الليبرالي يطبِّع الفرق، ويجعل اللاعبين والمنتخبات الرياضيّة تطبِّع مع المثليين وتحمل شعارات المثلية، فهم “يحترمون اختلاف الآراء“.

ولكن إن كنت لاعباً يرفض الترويج للمثلية فعندها ستنهال عليك العقوبات والمقالات المهاجمة، فأنت حرٌّ بما نريدك أن تكون حرَّاً به.

لست أُنكر تسخير هذه القوَّة لمصالح المستفيدين المفسدين فهذا هو الحال منذ أقدم الأزمنة، وهو يطبَّق على كلِّ ما يمكن تطبيقه عليه من مجالاتٍ كتجارةٍ وأموالٍ وصناعةٍ وتكنولوجيا، وإنَّما أُنكر إنكارهم على أهل الحقِّ تسخير هذه القوَّة لصالحهم وهذا ما رأيناه جليَّاً في المونديال القائم حالياً، ولعلَّها أيضاً حالةٌ اعتياديةٌ، فقد حصلت أيضاً في مجالاتٍ مختلفةٍ، وإنَّما الاستثنائيّ والغريب هو استساغة من يعلنون أنَّهم أهل حقٍّ وأصحاب مبادئ لهذه الأفعال، وكرههم توظيف بني جلدتهم هذه القوَّة للخير بحجَّة “الرجعية والتخلُّف” كما لو أنَّها خلقت ليوظِّفها أهل الفساد “الحضاريُّون” .

أرى المشكلة في شبابٍ أكبر همومهم هي: متى يحين موعد المباراة، ومن سيفوز بالمباراة، وما الذي سأقوله وأنشره وأعلِّق به بعد انتهاء المباراة… هؤلاء هم من يسهل اقتيادهم إلى حيث يُراد لهم أن يُقادوا، وما أكثرهم!

محمد كركوتلي

بقلم: أ. محمد كركوتلي

الشذوذ الجنسي من الناحية الاجتماعية

الشذوذ الجنسي من الناحية الاجتماعية
الشذوذ الجنسي من الناحية الاجتماعية

الشذوذ الجنسي من الناحية الاجتماعية
بقلم: أ. محمد زريع

Loading

لم تتَّفق الأمم السابقة منذ ولادة سيِّدنا آدم في التشريعات والأمور المتعلِّقة بالأحكام، بل كانت متغيِّرة. لكنَّها اتَّفقت جميعاً في دعوتها إلى الاخلاق ورقيّها، وأكَّدت على ضرورة وجودها في أيِّ مجتمع حتَّى يُفلحَ أهله ويَسعد…علماً أنَّ الأخلاق إنَّما تنبع من الفطرة السليمة التي تدفع إلى الابتعاد عن الرذائل وقبائح الأفعال، وتحثُّ على التَّمسُّك بما ينفع ويُرشد إلى الطريق الصواب…

ولأجل أن تحظى المجتمعات بالسعادة التي يبحث عنها كلُّ أحدٍ لا بدَّ أن تتَّبع منهجاً يسير عليه كلُّ أفرادها, لا فرق بين أحدهم والآخر ولا تمايز بينهم, فإذا حصلت المخالفة وقعت العقوبة على الجميع, لأنَّهم لم يعتمدوا مبدأ التناصح فيما بينهم…

لقد بيَّن لنا ربُّ العالمين تبارك وتعالى أنَّ الخيرية تكمُن في الأمَّة حين تتناصح فيما بينها وحين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, قال رب العالمين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُوْنَ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنْكَرِ [آل عمران/١١٠].

فإذا تركت الأمَّةُ ذلك نُزعت منها هذه الخيريَّة, وإذا ما نُزع الخير سكن الشرُّ وفسد المجتمع… وإنَّما تبدأ النكسات في المجتمع من محتويات الأنفس وما فيها من عاداتٍ توجِّه حركات الأفراد  إيجاباً أو سلباً.

يحدِّثنا التاريخ في غابر السنوات عن انتكاسةٍ للفطرة في أحد المجتمعات، حين صار الطاهر العفيف منبوذاً، وصار الفاسد الشاذُّ مألوفاً طبيعياً يفتخر بفعله جهاراً نهاراً، وليس هنا محلُّ التعجُّب فقط، لأنَّ المتأمِّل في أحداث ذلك الزمان يعجب من سوء الحال التي وصل إليها أولئك، وتراهم لم يُذكروا إلَّا بالعذاب والعقاب ولم تكن لديهم حضارةٌ تنفع ولا علمٌ يرفع.

يروِّج الغرب اليوم للشذوذ على أنَّه سمة الحضارة، والمدنية، والمعاصرة، والبعد عن التعصُّب، وأنَّه صورةٌ من صور التنوُّع الطبيعي، والانفتاح على الجديد، تُلغي سقف الحريَّة لتصير تفلُّتا يترك الشهوات مستعرةً، حتَّى يغدو الإنسان معها وحشاً لا تُشبع نهمته كلُّ متع الأرض، فيلهث بعدها باحثاً عن المزيد والجديد وإن كان فيه هلاكه…

أين الحضارة التي تركَتها الأقوام السابقة عندما أصرُّوا على ما يصرُّ الغرب عليه اليوم! 

ما تركوا لنا سوى العبرة من جرَّاء جحدهم وبُعدهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيْلٍ مَنْضُوْدٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِيْنَ بِبَعِيْدٍ[هود/ ٨٢ – ٨٣].

فعجباً كيف يرَون عصيان الخالق حريةً وحضارةً!

وحتَّى  تنجو المجتمعات وتسلم لا بدَّ لها أن تتخلَّى عمَّا هي عليه اليوم من بُعدٍ عن الله وانتكاسٍ للفطرة التي فطر الناس عليها, ولا بدَّ لها من رحلة تطهيرٍ ممَّا اقترفته أيديها، وهذا هو المبدأ الذي أقرَّه الخالق سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿إنَّ الله لا يغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم[الرعد/ ١١].

ولذلك نرى بعض الدول التي تتمسَّك برقيّ حضارتها تمنع عرض الأفلام التي تحتوي على مشاهد مبتذلة تخرق الحياء وتنزع المروءة…

وما نشاهده اليوم من عبثٍ في عقول الأطفال وتربيتهم على مشاهد شاذَّةٍ تُناقض الفطرة إنَّما هدفها أن يصير هذا الأمر مألوفاً لهم عند الكبر فلا يرونه خطباً عظيماً، هذا عدا ما يصيب المجتمع من مصائب وويلات يجرُّها ترك الزواج الشرعي الطبيعي الذي يُنشئ أسرةً طبيعية هي أساس المجتمع الفطري السليم. 

ومن جانب آخر:

فقد سنَّت بعض الدول تحت مظلَّةٍ سياسيةٍ قوانين لحماية الشواذّ، واعترفت بحقوقهم وسمحت لهم بزواجهم الشاذّ، وتبنِّي الأطفال، وممارسة المهن العامَّة وأخطرها التعليم، والاختلاط بالمجتمع، وهم يحملون سمومهم، وينشرون فكرهم الذي لا يمتُّ إلى لإنسانية السوية بأيِّة صلة، حتى يجري تقبُّلهم وتقبل فكرهم. 

فالشذوذ جريمةٌ تهدِّد بقاء المجتمعات واستمراريَّتها وتنذر بالهلاك… لكنَّه سلوكٌ لا يظهر هكذا فجأةً بين ليلةٍ وضحاها إنَّما يمهَّد له بمقدِّماتٍ تلمحها العين االمبصرة. فتُنثر بذوره السامَّة لتنمو بالتدريج شيئاً فشيئاً، فتفسد العقول، وتشوِّه الأفهام، وتطمس نور البصيرة حتى يصير الحقُّ باطلاً والباطل حقَّاً، وعلى عاتقنا أن نسدّ شقوق الباب لأنَّ فتحه يعني الهاوية.

وإنَّ إسلامنا الحنيف يحرص على احترام وجهات النظر المختلفة، ويدعو إلى محاورتها وتقديرها, لكنَّ هذا الخبث الذي ينادى به اليوم لا يعبِّر عن وجهة نظرٍ طبيعية، وهو ليس مجالاً للمحاورة لأنَّه تهديدٌ لمستقبل الإنسان والفطرة السوية واستقرار المجتمع وسعادة الإنسان. 

بقلم: أ.محمد زريع

مَفهومُ الحِوار

مفهوم الحوار
مفهوم الحوار

مَفهومُ الحِوار

Loading

إذا كان هدف الفتوحات الإسلامية إكراه الناس على دخول الإسلام بحد السيف، فقد فشل فشلاً ذريعاً، أما إذا كان الهدف فسح المجال لرؤية حقائق الإسلام فقد نجح الإسلام بذلك نجاحاً بيِّناً

الاختلاف بين الناس في الأفكار والمعتقدات والتوجُّهات رحمةٌ جعلها ربُّ العالمين بين الناس، وجعل أساس التَّعامل بينهم وفق هذا المفهوم وهذا المنطلق.

 ولابدَّ أنَّ الوصول إلى الحقيقة غاية كلِّ عاقلٍ حكيم, وتدعو الحاجة إلى إيصال الحقِّ إلى مبتغيه واضحاً ناصعاً لا نقص ولا إبهام فيه, ولا يكون ذلك إلا بتبادل الأفكار, وطرح وجهات النَّظر, بعد الدِّراسة

وتقريب الأفكار, لنخرج بعد ذلك بمفهومٍ راقٍ مهمٍّ … ألا وهو الحوار.

تنشَأُ الفكرة وينشأ معها الاختلاف بين مؤيِّدٍ ومُعارض, فإنَّ لكلِّ فكرةٍ أبعاداً ومنطلقاتٍ قد لا تتَّضح للجميع بالصورة ذاتها, ويبحث العقل والفكر دائماً عمَّا يُوافِقُهما, ولعلَّ الحوار وتبادل الأفكار هما اللذان يكشفان هذه الأبعاد, ويوضحانها من خلال النَّظر  إلى زوايا أُخرى لم تكن واضحةً من قبل…

ومُنطلق الحوار وأساسه هو التَّفاهم والرُّقي والاحترام, إذ الهدف هو التَّوصُّل إلى الحقيقة, وليس النزاع أو زيادة الخلافات, وينشأ أصل الحوار من مفهوم الاختلاف, وهو مختلفٌ كُلِّيًاً عن مفهوم الخلاف

فالاختلاف: ما اتحدَّ فيه القصد واختُلف في الوصول إليه, أمَّا الخلاف: فهو ما اختُلف فيه القصد مع طريق الوصول إليه, فبالحوار يضع الطرفان نتيجةً واحدةً ومقصدًا أسمى, ثمّ يتساعدان في معرفة الطَّريق الصَّحيح الذي يوصل إلى الحقيقة, وذلك بعرض الأفكار والأدلَّة التي تنير النقاط الغامضة أو بذكر الانتقادات عليها. والمُحاور الجيِّد هو الذي يخرج من حواره بثمرةٍ طيِّبةٍ,  ويستصحب حواره بِنيَّةٍ حَسَنةٍ, وهي إيجاد الحقيقة, وطلب الحقّ ولو على لسان الطَّرف الآخر, لأنَّ البحث عن النُّور والحقّ لا يتطلَّب النَّظر إلى مكانة القائل بل إلى مكانة الأفكار وقوَّتها. ويقوم أساس الحوار أيضاً على مجموعةٍ من الأفكار والتَّوجُّهات, والدِّفاع عنها أو نقضها.

وقبل الاتِّفاق على النقاط الأساسيَّة التي سيتناولها الحوار لا بدَّ من تحضير المادَّة العلميَّة, ويستدعي ذلك أن يكون تحضير الطَّرفين شاملاً لجميع المحاور التي يريدان عرضها, مع فهم الأدلَّة وتوظيفها في مكانها المناسب والملائم.

ولا يكون الحوار بنّاءً مالم يُسخَّر له أرقى الألفاظ وأسمى المعاني, ويرافقه حسن البيان, وبلاغة العبارة, مع ضرورة ابتعاده عن التراكيب الصعبة والقبيحة, والألفاظ المؤذية النَّابية. وليس الهدف من الحوار الانتصار للنّفس والرّأي, أو إثبات قوَّة الحُجج بالتَّكبّر, ودحض المحاوَر وإثبات خطئه, بل يسمو الفكر بالتقاء الأطراف على أسسٍ راسخةٍ من الاحترام والودّ.

ولقد كان أحبَّ ما يُحبُّه السلف الصالح في حواراتهم _وهم قدواتنا_ أن يظهر الحقُّ على لسان من يناقشهم, وما ذاك إلا لأنَّهم كانوا يسيرون بمنهجيَّةٍ راقيةٍ, وفهمٍ عميقٍ واعٍ, مع تحضيرٍ جيِّدٍ لمادَّة الحوار ليساعدوا بذلك الطَّرف الآخر في الوصول إلى الحقيقة, فتراهم يعبِّدون الطريق أمامه لكي يفكّر بمنطق كلامهم وحُجَّتهم, وينطق لسانه بالحقيقة التي كان يُعاند ضدَّها, مبتعداً عن الجدال والتَّعصُّب والمِراء.

وهذا ما وصلنا عن رجالات الحوار في تاريخنا, فلقد ورد عن الإمام الشافعي أنَّه قال: (ما ناظرتُ أحداً فأحببتُ أن يُخطِئ, وما كلَّمتُ أحداً قطُّ إلا أحببتُ أن يُوفَّقَ ويُسدَّدَ ويُعانَ, ويكون عليه رعايةٌ من الله وحِفظٌ, وما كلَّمتُ أحداً قطُّ وأنا أُبالِي أن يُبيِّنَ اللهُ الحقَّ على لساني أو على لسانه).

وفي نطاق التخلِّي عن التَّعصُّب والتَّشدُّد لوجهة النظر الشَّخصيَّة هناك نقطةٌ في غاية الأهمّيَّة:

وهي أن يُعلن الطَّرفان الرَّغبة في معرفة الحقيقة, وطريق الهدى أياً كان مَن ينطق بهما, ومعلومٌ أنَّ الهداية أو الحقيقة واحدةٌ, ولها طريقٌ واحدٌ, وعليه فإنَّ التخلِّي عن التَّعصب سيقود بلا شكٍّ إلى الاعتراف بالحقيقة عند ظهورها والتَّسليم بها.

ولا يعني تركُ التَّعصُّب تركَ الدِّفاع عن الفكرة, أو وجهة النَّظر بما يملك من حججٍ وأدلَّةٍ, بل يبقى مُدافعاً ما دامَ يعلم أنَّه على حقٍّ, ولا يُجادل في الباطل عند بيان الحقِّ وظهوره…

وهناك فارقٌ كبيرٌ بين  الحوار الرَّاقي والجدال والمِراء, وإنَّ أهمَّ سِمةٍ يُعرف بها الجدال: أنَّه من باب المنازعة والمغالبة, وإشعال الخصومة بالقولِ, مع كثيرٍ من التعنُّت, فيكون بعيداً كلَّ البُعد عن قِيم الحوار وأهدافه.

ويتّصل المِراء بالمعاندة والتكبّر عند ظهور الحقِّ, فيطعن المتماري في الكلام رغم صحّته, ويكون أبعد ما يكون عن الحوار الذي فيه الجمع, والأُلفة والاتفاق, والمساعدة للوصول إلى الحقّ…

ويُعدُّ مجلس الحوار والمناقشة من المجالس التي تسعى في البناء الحقيقيّ للأمَّة, إذ بها يحصل التأصيل للقضايا الواقعية التي تعصف بجيل الشَّباب, فهم على بحثٍ دائمٍ عن الحقيقية الثَّابتة بعيداً عن التَّشتُّت في الآراء, فيأتي مجلس الحوار ليُقدِّمُ لهم الحقيقة المُسلَّم بها بعد مناقشةٍ, وتقريبٍ لوجهات النَّظر بلسان الشَّباب وواقعهم فيعملون بها وهم على اطمئنانٍ بأنَّهم حصلوا على كنزٍ بعد تخليته من الشَّوائب والآراء الخاطئة…

تتميَّزُ فئة الشباب ذكوراً وإناثاً بالاستخدام المنطقيِّ العقليِّ أكثر من التَّسليم للآراء واختلافها, فأكثر الشباب لا  يسلِّم بكلَّ ما يسمعه أو يقرؤه دون تفكيرٍ وكثيرِ نظرٍ, وعندما يقدِّم الحوار المعلومات مراعياً الفكر الواقعيَّ فإنّه سيخرج بثمرةٍ طيِّبةٍ تنفعه أكثر من تسليمه لبعض القضايا.

هذا ما يقدِّمه الحوار إلى الشباب ببساطة.

وهذا هو الحوار

لماذا خَلَقَ اللهُ الفقرَ؟

لماذا خلق الله الفقر
لماذا خلق الله الفقر

لماذا خَلَقَ اللهُ الفقرَ؟

Loading

لو أنَّ جميع البشر خُلقوا أغنياء لما استقامت الحياة على وجه الأرض

خرج زيدٌ وعمروٌ من منزلهما، وذهب زيد إلى عمله حيث يعمل بائعاً جوَّالاً في الطُّرقات، وذهب عمرو إلى شركته الفاخرة في أرقى شارعٍ ضمن العاصمة، وبعد دخوله بساعتين أتاه بريدٌ مستعجلٌ بقَبول تاجرٍ كبيرٍ شراءَ بضاعته التي سمَّاها عمرو صفقة العمر، وقُدِّرت أرباحه بالملايين، وعاد إلى منزله فَرحاً مبتهجاً، بينما ظلَّ زيدٌ يعمل إلى المساء, وعاد ويداه صِفرٌ، ولم يكفه ما جناه من مالٍ إلا لتأمين بضعة أرغفةٍ من الخبز إلى صباح اليوم التالي.

أين عدلُ الله بين زيدٍ وعمروٍ؟

 ألا يعني هذا أنَّ اللهَ يُحبُّ عمرواً أكثر من زيد؟

هل يرى الله الفقراء, ولا يلتفت إليهم؟

لماذا خلقَ الله الفقر أصلاً؟

وما أكثر الأسئلة التي تخطر إلى الذِّهن عند سماع أمثال هذه القصص، بل إنَّ رؤيتها في واقعنا قد يحرِّك القلب والعاطفة مؤثِّراً في تفكير المسلم من منطلق أنَّ الله عادلٌ ونؤمن بذلك, ولكن أين أثر عدله في  الفقراء؟

إنَّنا عند التَّسليم المطلق بأنَّ الله تعالى هو الخالق المطلق, والمتصرِّف المطلق في هذا الكون, نعلم يقيناً أنَّه يعلم ما لا نعلم، ويعلم احتياجاتنا أكثر من أنفسنا، كيف لا وهو الخالق الحقيقيُّ لنا!

أليس مخترع الآلة الكهربائيَّة أدرى النَّاس بما تحتاجه لتُكمل عملها؟ ولله تعالى المثل الأعلى.

فالله الخالق للعباد أعلم بمصلحتهم من أنفسهم، وخلق الغنيَّ والفقير في العباد, وجعلهما سواءً في الابتلاء والصّبر على الابتلاء, والتَّعامل معه بالحالة الأمثل، فإنَّه سبحانه كما يبتلي الفقير بقلَّة الزَّاد, وفقر ذات اليد ليختبر مدى صبره على حكم الله, فيرفع له أجره بصبره وفهمه لحكمة الامتحان، كذلك يبتلي الغنيَّ بكثرة المال ووفور النّعمة، ابتلاءً له في إنفاقها وصرفها, أيكون في ما أمره الله أم في ما نهاه عنه.

ولو أنَّ جميع البشر خُلقوا أغنياء لما استقامت الحياة على وجه الأرض، فقد سخَّر الله تعالى بعض الناس لتسيير أعمال الناس ومعاملاتهم، فبعضهم في الزراعة وغيرهم في الصناعة، أو في مجال الحفاظ على النظافة والبيئة… وهكذا، ولو كان الجميع أغنياء لما صَلُحت الحياة, وهذا واضحٌ بمجرَّد تخيُّله.

ولقد كان رسول البشر الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم  يتعوّذ من الفقر, ويحذّر من الأسباب التي تؤدِّي إليه، ومنها: الإسراف، والتَّبذير, والغشّ في البيع, والكذب به، ولو انتهى المرء عن هذه الأمور وابتعدَ عنها لما قادته إلى الفقر الشَّديد, ولبقي في حالةٍ وسطيَّةٍ تُحمد عقباها.

وهذا لا يعني أنَّ حال الفقراء مذمومةٌ, أو أنَّها مدعاةٌ إلى المنقصة، بل إنَّ لهم بشارةً طيّبةً من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إن كانوا صابرين صادقين مؤمنين، وهذا ما ورد عنه في صحيح البخاريّ ومسلم: ” اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ“.

فالحياة الدنيا دار ابتلاءاتٍ وعملٍ لجميع النَّاس من غير استثناء، ولو نظَر الفقير إلى الكدَرِ في حياة بعض الأغنياء لما تمنَّى إلَّا البقاء في فقره، لتفكُّك علاقاتهم الأُسْريّة، وانعدم راحة البال والاطمئنان، ودوام القلق والحرص على المال والتّجارة، ولو دخل كلٌّ منا قلبَ الآخر لأشفقَ عليه، فالفقر الحقيقيُّ فقرُ العمل لا فقرُ المال.

وليس المال كلَّ شيءٍ في الدُّنيا, وليس مصدرَ السعادة الوحيد، نعم نجد فيه جزءاً من السعادة في توفير حياةٍ جيدةٍ، ولكنّه في الحقيقة في مراتب ثانويَّة، فمَن يُخيَّر بين الصّحَّة والإنجاب أو المال، تراه لا يريد المال, وسيكون همُّه الصّحّة وغيرها من النّعم.

كلٌّ يعمل بما قُدِّرَ له, وكلٌّ سيُرزَق ما كُتب له، وعند الله تعالى العدل المطلق, فهو أعلم بحالنا وبما يناسبنا من أنفسنا, فلعلَّ فقيراً مؤمناً عابداً لو فُتحَت له الدنيا من بابها الواسع لأشركَ وطغى وتكبَّرَ, فكانت هذه الحال هي الأنسب له.

سم ينتشر في مجتمعاتنا

سم ينتشر في مجتمعاتنا
سم ينتشر في مجتمعاتنا

سم ينتشر في مجتمعاتنا

Loading

إنَّ التخلُّف الذى يعاني منه المسلمون اليوم ليس سببه الإسلام، وإنَّما هو عقوبةٌ مستحقّةٌ من الإسلام على المسلمين لتخلِّيهم عنه لا لتمسُّكهم به كما يظنُّ بعض الجاهلين

غالباً ما نجد  المنتقدين للإسلام يرمونه بتهمٍ عديدةٍ، ممَّا يؤدِّي إلى زرع الشّكِّ في نفوس الغربيين، وحتَّى في نفوس بعض المسلمين. وكان ممَّا يدَّعونه أنَّ الإسلام هو السبب في تخلُّف الأمَّة الإسلامية اليوم، فما الردُّ المناسب على من يقول مثل هذه الأقاويل؟!!

أولا: يبيِّن التاريخ أنَّ الإسلام قد استطاع بعد فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ من ظهوره أن يؤسِّس لحضارةٍ عظيمةٍ، كانت من أطول الحضارات عمراً في التاريخ، ولا تزال الشواهد على ذلك ماثلةً للعيان فيما ورَّثه المسلمون من علمٍ غزيرٍ في شتَّى مجالات العلوم والفنون، ناهيك عن ضمِّ مكتبات العالم آلافاً من المخطوطات العربية والإسلامية، التي تبرهن على عِظَم ما وصل إليه المسلمون من حضارةٍ، يضاف إلى ذلك الآثارُ المنتشرة في العالم والتي تشهد على بديع صنع المسلمين، وإنّ ما تبقَّى من معالم حضارتهم  في الأندلس خيرُ شاهدٍ على ذلك، وقد قامت في أوروبا حركة ترجمةٍ كبيرةٍ لعلوم المسلمين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وكان ذلك هو الأساس الذي بنت عليه أوروبا حضارتها الحديثة، وهذا أمرٌ ثابتٌ في تاريخ العلوم والحضارات.
ثانيا: لقد منح الإسلام العلم والعلماء مكانةً كبيرةً فقال جلَّ وعلا: ‏﴿‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏﴾ ‏[‏المجادلة‏:‏11‏]
 وحضَّ على النَّظر في الكون ودراسته، وعمارة الأرض، وكان أوَّل ما نزل من القرآن، آياتٌ عظيمةٌ تحثُّ على القراءة والتّعلُّم، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ*  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق: 1-5]
ثالثاً: حارب الإسلام العديد من مظاهر التَّخلُّف، كالأميَّة، والبطالة، والرِّبا، وغيرها من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية المدمِّرة، وعندما تخلَّف المسلمون عن إدراك المعاني الحقيقيَّة للإسلام تخلَّفوا في ميدان الحياة، ويعبِّر أحد الباحثين عن ذلك تعبيراً مثاليّاً حين يقول:
إنَّ التخلُّف الذى يعاني منه المسلمون اليوم ليس سببه الإسلام، وإنَّما هو عقوبةٌ مستحقّةٌ من الإسلام على المسلمين لتخلِّيهم عنه لا لتمسُّكهم به كما يظنُّ بعض الجاهلين
فليست هناك صلةٌ بين الإسلام وتخلُّف المسلمين.
رابعاً: هناك أسبابٌ خارجيةٌ ترجع في جانبٍ كبيرٍ منها إلى مخلَّفات سنوات الاحتلال الأوروبيّ للبلاد العربية، التي أعاقتها عن اللّحاق بركب التطوُّر، فنهبت خيراتها وحاربت أصحاب الفكر المنير فيها، بالإضافة إلى بعض الأسباب الداخلية مثل انتشار الأمية، والخرافات، والأفكار الهدّامة، وتفشِّي الجهل، والتي أدّت أيضاً إلى نسيان المسلمين للعناصر الإيجابيّة الدافعة لحركة الحياة في فهم الإسلام.
ولما حَدَّث أبو سفيان هرقلَ ملك الروم -وتعتبر دولة الروم في ذلك الوقت دولةً عظمى- بما عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؛ قال: (إن كان ما تقول حقّاً فسيملك ما تحت قدميَّ هاتين) [أخرجه مسلم- باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، رقم 1773]
وهذا ما حصل فعلاً بعد عدَّة سنوات.
فإن صحَّ العزم من المسلمين على إعادة مجد الإسلام، فلابدَّ من نهوضٍ فكريٍّ، وثقافيٍّ، ولابدَّ من عودةٍ إلى أخلاقنا ومبادئنا الإسلاميَّة، فقد وصل أسلافُنا إلى ما وصلوا إليه عندما تمسّكوا بدينهم ومبادئهم.
ختاماً: لا يجوز للباحث عن الحقيقة الخلطُ بين الإسلام والواقع المتدنّي للعالم الإسلامي، فالتخلُّف الذي يعاني منه المسلمون يعدُّ مرحلةً في تاريخهم، ولا يعني أنَّهم سيظلون كذلك إلى نهاية التاريخ، وخير دليلٍ على هذا أنَّ الإسلام نهض بالعرب قديماً من الحضيض، وجعلهم خير أمَّة بين الأمم، فلا يجوز اتِّهام الإسلام بأنَّه وراء هذا التخلف.

 

سم ينتشر في مجتمعاتنا

سم ينتشر في مجتمعاتنا

Loading

الإنسان هو خليفةُ الله في الأرض, وليس خليفةً عن الله في الأرض

هل سمعت أحد المسلمين خلال فترات الإساءة إلى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: لماذا يُسيء #الغرب إلى شخصٍ يتبعه مليارٌ ونصف مليار شخص؟!
هل سمعتَ أحد المسلمين يدعو إلى الصَّلاة لأنَّها تزيد اللياقة البدنيَّة, وتقلِّل من أعراض الضَّغط والسُّكريّ وآلام المفاصل حسب الدِّراسات, وتُعلِّم الالتزام بالمواعيد و.. و.. و…؟
في قصَّةٍ قصيرة تدور أحداثها في القرن التاسع عشر نشر الفيلسوف الألماني #فريدريك_نيتشا مقالاً لاقى انتشاراً واسعاً في أوروبا وهو بعنوان: “لقد مات الإله“. !!
وهنا بدأ التَّمركز في الغرب ينتقل من تمركُز الإله إلى تمركُز الإنسان, وصار الإنسان #مركز_الكون, يسنُّ قوانين تناسبه بعيداً عن المرجعيَّة الإلٰهيّة المطلقة, ويسمِّيها ميثاق #حقوق_الإنسان، وراح يحدِّد قِيَم الأشياء, فقيمة أيِّ شيءٍ يحدّدها الإنسان حسب #الفائدة التي يعود فيها عليه.
تسرَّبت هذه الافكار إلى مُجتمعاتنا المسلمة عن طريق #العولمة, وصار كلُّ شيءٍ يكتسب قيمته حسب عدد أتباعه, والتَّفاعلات, والمشاهدات التي يحصدها, وعطفاً على ما بدأنا المقال به أولاً, نجد أنَّ الرَّسول اكتسب قدسيَّته من كثرة أتباعه, لا لأنَّ الله كرَّمه واصطفاه على #العالمين .
ولم تعد الصّلاة عبادةً تصل العبد بربّه, وتزيد قُربه إليه, وليست لأنَّها أمرٌ من فاطر السّماوات والأرض, بل لأنَّها _حسبما ارتأى الإنسان_ مفيدةٌ له, وهذان مثالان صارخان #للنَّزعة_الإنسانويّة (اعتبار الإنسان نفسه مركزاً للكون), وتمركز الإنسان حول ذاته فأصبح يعطي القيمة, وينزعها عمّا يريد بعيداً عن #المرجعيّة_الإلهيّة.
مثلاً: لا يُعجبني قول الشّيخ فُلان, لأنَّه لا يعجبني أصلاً, ثمَّ تقول لي: اعرف #الحقَّ تعرف أهله, وأنا الحقُّ وأنا من يحدّد الحقّ. ثمَّ يقدِّم نفسه, ومصالحه الشخصيّة على أيِّ مصلحةٍ مجتمعيَّة, ويستبدل بكلماتٍ مثل: العدالة الاجتماعيَّة, والنّضال, والكفاح, والقضيَّة كلماتٍ مثل: الطُّموح, والمهارات الشَّخصيَّة, والشَّغف, والنَّجاح, ولم تعُد هناك رغبةٌ شبابيَّةٌ للسَّعي إلى تحسين المجتمع, بل أصبح هدفه الهروب والانتقال من #مجتمعاتٍ بحاجةٍ إلى التَّحسين والنُّهوض إلى مجتمعاتٍ مُحسَّنةٍ, سعياً وراء #السَّعادة_الدنيويَّة, وطغت النّزعة الفرديَّة والأنانية, التي يسمِّيها عالم الاجتماع البولندي (#سيغموند_باومن): “احتلال الهموم الفردية للمساحة العامَّة“.
حسناً، وما الذي حدث بعد اعتماد الغرب للنَّزعة الإنسانويَّة في عصر الحداثة؟
تالياً, وبعد ذلك الإعلان بثمانين عاماً جاء الفيلسوف الفرنسي (#ميشيل_فوكو) ببيانٍ انتشر كالنَّار في الهشيم أعلن فيه موت الإنسان .
لقد انتقلنا لنعيش في عصر ما بعد الحداثة فيما سمّاه (#سيغموند باومن): “زمن الإيمان السَّائل“.
لم يعد الإنسان مركز الكون, بل وفقدَ قيمته فأصبح مساوياً #قيمة أيِّ شيءٍ آخر, وصرنا نرى أحدهم وقد تزوَّج بساطاً, والآخر تحوَّل كلباً, واستغنى غيره عن أكل الحيوانات لأنَّها تساوي الإنسان في القيمة حسب نظره.
ولكنَّ الشَّركات #الرَّأسماليّة كان لها رأيٌ آخر, فحدَّدت قيمة المرء بما يستطيع أن يقتنيه, وما يستطيع أن يحصّله, وسُمّي هذا الإنسان: “إنسان البعد الواحد“.
ونسأل الآن، هل الإنسان مركز الكون؟ أم أنَّه لا يعلو قيمةً عن باقي الأشياء؟ أم أنَّه مجرَّد أداةٍ للإنتاج والاستهلاك؟
يقول المفكر #عبد_الوهَّاب_المسيري رحمه الله: (الإنسان ليس مركز الكون, بل وضعه خالقه في مركز الكون, وهو ليس مالكاً للطّبيعة, بل هو خليفةٌ فيها من قِبَلِ خالقها).
وفي ظلِّ تخبُّط الغرب بين أمواج البحث عن مركزٍ ونقطةٍ مرجعيَّة بعد التَّخلِّي عن #الإلٰه
وقد قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى[سورة العلق الآية 6] أدرك المسلم أنَّه خليفةُ الله في الأرض, وليس خليفةً عن الله في الأرض .
والحمد لله ربِّ العالمين.

الدين عرّاب التخلف

الدين عراب التخلف
الدين عراب التخلف

الدين عرّاب التخلف

Loading

إنَّ التخلُّف الذى يعاني منه المسلمون اليوم ليس سببه الإسلام، وإنَّما هو عقوبةٌ مستحقّةٌ من الإسلام على المسلمين لتخلِّيهم عنه لا لتمسُّكهم به كما يظنُّ بعض الجاهلين

غالباً ما نجد  المنتقدين للإسلام يرمونه بتهمٍ عديدةٍ، ممَّا يؤدِّي إلى زرع الشّكِّ في نفوس الغربيين، وحتَّى في نفوس بعض المسلمين. وكان ممَّا يدَّعونه أنَّ الإسلام هو السبب في تخلُّف الأمَّة الإسلامية اليوم، فما الردُّ المناسب على من يقول مثل هذه الأقاويل؟!!

أولا: يبيِّن التاريخ أنَّ الإسلام قد استطاع بعد فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ من ظهوره أن يؤسِّس لحضارةٍ عظيمةٍ، كانت من أطول الحضارات عمراً في التاريخ، ولا تزال الشواهد على ذلك ماثلةً للعيان فيما ورَّثه المسلمون من علمٍ غزيرٍ في شتَّى مجالات العلوم والفنون، ناهيك عن ضمِّ مكتبات العالم آلافاً من المخطوطات العربية والإسلامية، التي تبرهن على عِظَم ما وصل إليه المسلمون من حضارةٍ، يضاف إلى ذلك الآثارُ المنتشرة في العالم والتي تشهد على بديع صنع المسلمين، وإنّ ما تبقَّى من معالم حضارتهم  في الأندلس خيرُ شاهدٍ على ذلك، وقد قامت في أوروبا حركة ترجمةٍ كبيرةٍ لعلوم المسلمين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وكان ذلك هو الأساس الذي بنت عليه أوروبا حضارتها الحديثة، وهذا أمرٌ ثابتٌ في تاريخ العلوم والحضارات.
ثانيا: لقد منح الإسلام العلم والعلماء مكانةً كبيرةً فقال جلَّ وعلا: ‏﴿‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏﴾ ‏[‏المجادلة‏:‏11‏]
 وحضَّ على النَّظر في الكون ودراسته، وعمارة الأرض، وكان أوَّل ما نزل من القرآن، آياتٌ عظيمةٌ تحثُّ على القراءة والتّعلُّم، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ*  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق: 1-5]
ثالثاً: حارب الإسلام العديد من مظاهر التَّخلُّف، كالأميَّة، والبطالة، والرِّبا، وغيرها من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية المدمِّرة، وعندما تخلَّف المسلمون عن إدراك المعاني الحقيقيَّة للإسلام تخلَّفوا في ميدان الحياة، ويعبِّر أحد الباحثين عن ذلك تعبيراً مثاليّاً حين يقول:
إنَّ التخلُّف الذى يعاني منه المسلمون اليوم ليس سببه الإسلام، وإنَّما هو عقوبةٌ مستحقّةٌ من الإسلام على المسلمين لتخلِّيهم عنه لا لتمسُّكهم به كما يظنُّ بعض الجاهلين
فليست هناك صلةٌ بين الإسلام وتخلُّف المسلمين.
رابعاً: هناك أسبابٌ خارجيةٌ ترجع في جانبٍ كبيرٍ منها إلى مخلَّفات سنوات الاحتلال الأوروبيّ للبلاد العربية، التي أعاقتها عن اللّحاق بركب التطوُّر، فنهبت خيراتها وحاربت أصحاب الفكر المنير فيها، بالإضافة إلى بعض الأسباب الداخلية مثل انتشار الأمية، والخرافات، والأفكار الهدّامة، وتفشِّي الجهل، والتي أدّت أيضاً إلى نسيان المسلمين للعناصر الإيجابيّة الدافعة لحركة الحياة في فهم الإسلام.
ولما حَدَّث أبو سفيان هرقلَ ملك الروم -وتعتبر دولة الروم في ذلك الوقت دولةً عظمى- بما عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؛ قال: (إن كان ما تقول حقّاً فسيملك ما تحت قدميَّ هاتين) [أخرجه مسلم- باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، رقم 1773]
وهذا ما حصل فعلاً بعد عدَّة سنوات.
فإن صحَّ العزم من المسلمين على إعادة مجد الإسلام، فلابدَّ من نهوضٍ فكريٍّ، وثقافيٍّ، ولابدَّ من عودةٍ إلى أخلاقنا ومبادئنا الإسلاميَّة، فقد وصل أسلافُنا إلى ما وصلوا إليه عندما تمسّكوا بدينهم ومبادئهم.
ختاماً: لا يجوز للباحث عن الحقيقة الخلطُ بين الإسلام والواقع المتدنّي للعالم الإسلامي، فالتخلُّف الذي يعاني منه المسلمون يعدُّ مرحلةً في تاريخهم، ولا يعني أنَّهم سيظلون كذلك إلى نهاية التاريخ، وخير دليلٍ على هذا أنَّ الإسلام نهض بالعرب قديماً من الحضيض، وجعلهم خير أمَّة بين الأمم، فلا يجوز اتِّهام الإسلام بأنَّه وراء هذا التخلف.