هل يمكن لأي إنسان في العالم أن يتخلى عن العقيدة

هل يمكن لأي إنسان في العالم أن يتخلى عن عقيدته

هل يمكن لأي إنسان في العالم أن يتخلى عن عقيدته

إنَّنا حينما ننظر إلى جوهر ما يسمَّى بالعقيدة، أو الفلسفة، أو الرؤية الكونية، نجد أنَّها في حقيقتها ما هي إلَّا خريطةٌ وجوديةٌ للإنسان تبيِّن مكانه في هذا العالم. وهي في أهميَّتها للإنسان كأهمية الخريطة الجغرافية للمسافر حيث تحدِّد موضعه الذى هو فيه، والمكان الذى يصير إليه، حتَّى لا يضلَّ طريقه، أو يُهلك نفسه، ويفقد مبتغاه.

ولقائلٍ أن يقول: وما وجه الشَّبه بين الأمرين، أو بين المثالين: بين المسافر وبين الإنسان!؟

وأقول له: بماذا تُعرِّف المسافر؟ سيُجيبني بأنَّ المسافر هو الشخص الذي لا يستقرُّ في موضعٍ معيَّن، بل يُغيِّر موضعه، ويبدِّل مكانه بشكلٍ مستمرٍ، قاصداً وجهةً معيَّنة لا يتوقَّف قبل بلوغها.

وأقول له كذلك: إنَّ الإنسان بشكل ٍعامٍّ مسافرٌ في هذا الوجود الكلِّي، ومرتحلٌ عن هذا العالم.

وإذا كان المسافر العاديُّ ينتقل من مكانٍ إلى آخر أو من بُقعةٍ جغرافية إلى أخرى.

كذلك كلُّ إنسانٍ يتحقَّق فيه هذا المعنى من الرحلة والانتقال، ولكن بنحوٍ أعظم، وبوجهٍ أتم.

فهو ينتقل من عالمٍ  كلِّي له قوانين معيَّنةٌ  إلى عالمٍ كلِّيٍّ آخر بقوانين مختلفة اختلافاً كلياً عن قوانين العالم الذي يسبقه. وهذا ما نراه واضحاً، ونشاهده عياناً. 

فلو نظرنا إلى ما قبل ولادة أيِّ إنسانٍ في هذا العالم، وما قبل مجيئه إلى هذه الدنيا، نجد أنَّه قبل ولادته لم يكن يحظى بأيِّ نحوٍ من أنحاء الوجود في هذا العالم الدنيوي. ثمَّ بعد ذلك يولد في هذه الدنيا، ويصبح طفلاً وشاباً وكهلاً، “وقد يتعامل مع هذه الدنيا وكأنَّه من أهلها“.

ولا يزال يتغيَّر، ويتغيَّر باستمرار كلَّ آنٍ ولحظة، لا تخلو لحظةٌ من تغيُّرٍ يحدث فيه.

ثمَّ يأتي بعد ذلك موعد خروجه الحتمي من هذا العالم بالموت المحقَّق، فيخرج من هذه الدنيا بشكلٍ كلِّي، وينتقل إلى عالم ما بعد الموت.

والذى يسمى بحسب العقيدة الإسلامية: عالم البرزخ، هو عالمٌ له قوانينه المختلفة بالكلية عن عالم الدنيا.

ثمَّ يبعث فينتقل من عالم البرزخ  إلى عالم الآخرة: ((الجنَّة أو النار))، والذي يختلف تماماً عن العوالم الكلية التي سبقته، وهنا يحقُّ لي أن أتساءل: أليس هذا هو السفر الحقيقي بأتمِّ معانيه؟

وهل هناك معنىً للغربة أو  للسفر أو للرحلة والانتقال إذا لم يتحقَّق هنا هذا المعنى؟

أظنُّ أنَّ الإجابة تكون بلا ريب: نعم، هذا هو السفر الحقيقي، وتلك هي الرحلة، ومادامت هذه هي الإجابة فإنَّ حاجتنا إلى خريطةٍ وجوديةٍ تكون كأعظم ما تكون الحاجة. 

تاريخ الحركة النسوية

تاريخ الحركة النسوية

تاريخ الحركة النسوية

تتسم الحركة النسوية في العالم الغربي أو العربي، بتعقيدها وتعدُّد مراحلها وأهدافها. وفيما يأتي سأقدم شرحاً أوسع لتاريخ النسوية، مع إلقاء الضوء على أبرز الآراء النقدية من الباحثين في كلا السياقين.

تاريخ النسوية الغربية
  • المرحلة الأولى (بين القرن 19 – وأوائل القرن 20)
    ركزت الموجة الأولى من الحركة النسوية على حقوق المرأة السياسية والقانونية، لا سيما حقِّها في التصويت. بدأت هذه الموجة مع إلغاء العبودية، واستمرَّت حتى منح النساء حق التصويت في بعض الدول الغربية مثل: الولايات المتَّحدة والمملكة المتحدة.
    كانت الموجة الأولى تهدف بشكلٍ أساسي إلى تحسين أوضاع المرأة الاجتماعية، والسياسية، والقانونية. دافعت عن حقِّ المرأة في التعليم، وحقِّها في التصويت، والملكية. بدأت النساء في هذه الفترة في الغرب يناضلن ضدَّ القوانين التي تعامل النساء كملكية خاصة للرجال.
    أبرز شخصياتها:
  1. ماري ولستون كرافت: قدَّمت أحد أقدم الأعمال النسوية، حيث كتبت “A Vindication of the Rights of Woman” (1792)، وهو دفاع عن حقوق المرأة التعليمية والاجتماعية.
  2. جون ستيوارت ميل: في “The Subjection of Women” (1869)، قدَّم مبرِّراتٍ فلسفية لضرورة المساواة بين الرجل والمرأة في المجتمع.

    ركَّزت هذه المرحلة بشكلٍ رئيسيٍّ على قضايا النساء البيض من الطبقة الوسطى في الدول الغربية، وتمَّ إهمال النساء من الطبقات الدنيا والأقليات العرقية.

  • المرحلة الثانية (1960 – 1980):
    تمحورت حول الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والجنسية للمرأة. بدأت هذه المرحلة مع الحركات المدنية في الولايات المتحدة، وركزت على الحقوق الإنجابية والمساواة في العمل. تمحورت هذه الموجة حول المساواة في الأجور، الحقوق الإنجابية، والحرية الجنسية. أثرت الحركات الاجتماعية مثل الحركات المدنية الأمريكية في انتشار النسوية الليبرالية التي ركزت على تحرير المرأة من القيود التقليدية. 
    أبرز شخصياتها:
  1. بيتي فريدان: كتبت “The Feminine Mystique” (1963)، وهو عملٌ نقديٌّ ضدَّ الدور التقليدي للمرأة كونها ربةَ منزل فقط.
  2. سيمون دي بوفوار: في كتابها “The Second Sex” (1949)، ناقشت كيفية بناء المجتمع لصورٍ معيَّنة عن الأنوثة والتي قيدت النساء.

    بدأت بعض الباحثات في نقد هذه المرحلة لكونها لم تراعِ التنوع العرقي والطبقي، وتمَّ توجيه انتقاداتٍ للموجة الثانية بأنَّها تهتمُّ بمصالح نساء الطبقة العليا فقط، ولم تلتفت إلى القضايا الخاصة بالنساء السود أو نساء العالم الثالث.
  • المرحلة الثالثة: من1990   حتى اليوم
    تتناول التنوع والتقاطعات بين النسوية والعوامل الأخرى مثل العرق، والجنس، والطبقة الاجتماعية. تسعى لتجاوز التصورات التقليدية عن النسوية الغربية لتشمل نساءً من خلفياتٍ مختلفة. ظهرت هذه الموجة لتصحيح قصور الموجتين السابقتين عبر التأكيد على أنَّ تجارب النساء تختلف بحسب العرق، الطبقة، التوجُّه الجنسيّ وغيرها. تركز هذه المرحلة على التقاطعات بين النسوية وقضايا أخرى مثل العنصرية والتمييز الجنسي.
    أبرز الشخصيات:
  1. جوديث بتلر: من خلال كتابها  “Gender Trouble” (1990)، قدمت أفكاراً معقَّدةً عن الهوية الجندرية باعتبارها بنيةً اجتماعيةً وليست ثابتة بيولوجياً.
  2. بيل هوكس: ناشطة نسوية من أصول أفريقية، كتبت عن النسوية التي تأخذ في الاعتبار العرق والطبقة في “Feminism is for Everybody” .

    انتقد بعض الباحثين هذه الموجة لأنَّها أصبحت أكثر تجريديةً، مما جعلها بعيدةً عن القضايا اليومية للنساء في المجتمعات الأقل تطوراً.

ميشيل فوكو: يرى أنَّ النسوية كانت جزءاً من حركاتٍ أوسع لتحرير المجتمعات من قيود السلطة الأبوية التقليدية، لكنَّها تحتاج إلى انتباهٍ أدقَّ للتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية.

نعومي وولف: في كتابها “The Beauty Myth” (1991)، ناقشت أصبحت الضغوط الجمالية التي تفرضها الثقافة الحديثة أداةً للحدِّ من حرية المرأة. 

حداثة ولكن

حداثة ولكن ؟!

حداثة ولكن

قد لا تدلُّك العناوين دائماً على المضامين، فكيف بعالم العجائب والمتغيِّرات اليوم؟! لا زالت تخدعك فيه الأسماء والصور ببهرجها وزينتها، تُلبِسُ الهرَّة ثوب الأسد، والثعلب ثوب الحمل الوديع…

“التنوير”، “الحداثة“، “ما بعد الحداثة“…

عنوانٌ لطيفٌ، برَّاق، جذَّاب، يوحي بكلِّ ما يتَّصل بعالم اليوم من التطوُّر الرقمي والتكنولوجي، والسرعة، والتقنية ونبذ التخلُّف، والتطلُّع نحو المستقبل. لكنَّنا في الغوص نحو الحقيقة نستبين تعريفات الحداثة وأخواتها من دُعاتها، وصنَّاعها المعاصرين.

يقوم مبدأ الحداثة _الذي نشأ مع عصر النهضة الأوروبي_ في الأصل على الثورة على الماضي بكلِّ تفاصيله الفكرية، والدينية، والعقائدية، والمرجعية، ليُنصِّب العقل البشري إلهاً بعد ظنِّهم بموت الإله، وذلك على يد: نيتشه، وديكارت الذي اعتبر البشر مالكي الطبيعة، وغيرهم. فاعتبرت الحداثة الإنسان مهيمناً على كلِّ شيء، بما في ذلك القيم الأخلاقية والمثل؛ يضع قواعدها، ويصدرها، ويتحكَّم بها وفق هواه.

فالدِّين في نظرهم مثلاً قالبٌ جامدٌ يحتاج إلى تجديد أو ربما إلغاء، والتاريخ دروسٌ ومواعظ يمكن الاستغناء عنها… وهكذا… وهكذا وصولاً إلى الأُسرة مثلاً فلا داعي للأب والأم، ولا حاجة لهما لأنَّ التربية مجرَّد قواعد صارمة تقيِّدنا، نحن أبناء الحياة، وعلينا أن نتعلَّم بأنفسنا… وتبلورت في ظلِّ الحداثة أفكارٌ جديدة لم تكن من قبل كالفكر النسوي، ودُعِم الشذوذ.

فإذا نبذت الحداثة الماضي، فإنَّما نحن جزءٌ من الماضي، معجونون به، وإنَّك في اللحظة التي تسبق قراءتك لهذا المقال كنت في الماضي، تلافيف دماغك، وتفاصيل ذاكرتك الممتدَّة ممَّا قبل لحظاتٍ إلى طفولتك… وولادتك… وكونك قبل ذلك في أصلاب آبائك وأجدادك، إلى أبينا آدم، وعالم الذرِّ، بكلِّ ما في ذلك من تفاصيل نحن ماضٍ في الدرجة الأولى، والحاضر لا يتعدَّى اللحظة، والمستقبل فسيحٌ أمامنا، غائب عنَّا. وإنَّنا إذ نرفض الماضي نرفض على الحقيقة أنفسنا. 

قدَّست الحداثة العقل، وجعلته مركز الكون، وقطعته عن خالقه، فطلع علينا في النصف الثاني من القرن العشرين عصر “ما بعد الحداثة” وأزاح العقل من المكان الذي رفعته إليه “الحداثة“، لا لتعترف بالإله الواحد الأحد مالك الملك، خالق الكون، ولكن لتهوي بالإنسان، فيقدِّس هواه وغريزته وشهوته: ((أرأيتَ من اتَّخذ إلههُ هواهُ أفأنتَ تكونُ عليهِ وكيلاً)) [الفرقان-43].

لا مكان للعقل هنا لأنَّه ربَّما يستيقظ ليرى الحقائق بعيونٍ جديدة، ولأجل ذلك عُمل هذه المرَّة على خنق العقل وتخديره أو ربَّما قتله، لتقود هذا العالمَ غريزةٌ عمياء تبحث عن البقاء والسيطرة والقيادة بأيَّة طريقة.

ولأجل ذلك ضُخِّم دور وسائل الإعلام بكلِّ أنواعها، لتقود الوعي الجماهيريَّ المنوَّم بالشهوات، وضُخَّ سيلٌ من الأفكار الغريبة، والشَّاذَّة، والمنحرفة، لتتوافر بسهولةٍ ولو بين يدي طفلٍ في السادسة، وسُخِّرت لبثِّها جميع الوسائل المتاحة بدءاً بالتلفاز، والشبكة المعلوماتية، وليس انتهاءً بالهواتف المحمولة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والفيديو.

ومع تكرارها وكثافتها مدَّةً من الزمن صارت جزءاً من التكوين الفكريِّ والنفسيِّ للناس، يرون بعيونها، ويتبنَّون مضمونها، وأصبحت مع الوقت خُبز الشعوب اليومي.

وفي ظلِّ هذا النظام العالميِّ الجديد الذي بات يحاول التحكُّم بهذا العالم بكلِّ تفاصيله _وهذا ما نراه اليوم حقيقةً في الواقع الملموس_ بدءاً من شكل قَصَّةِ شعرك، وملابسك التي ترتديها كلَّ يوم، وطريقة مشيك وكلامك، وحتَّى نوع طعامك، وصولاً إلى أفكارك وعقيدتك. وبدأت الثوابت الفكرية والعقائدية والدينية المتجذِّرة تمَّحي، ليحلَّ محلَّها اللاثوابت، اللادينية، اللامرجعية… الضياع.

مسكينٌ إنسان العصر في قلب عواصف الفكر والتشكيك، تارةً تأخذه موجة العقل، وتارةً تُطيح به موجة الحريَّة، تفلَّتت جذوره، وهو في مهبِّ الريح يركب كلَّ يومٍ موجةً، ويجرِّب كلَّ يومٍ فكرة، وينصاع لكلِّ لذَّة، وفي ظلِّ هذا الواقع الموبوء يبحث لجذوره التائهة عن أرضها الأولى، يبحث عن الراحة التي فقدها، والطمأنينة التي خسرها، والتي لن يجدها إلَّا إذا عرف غاية وجوده، وسبب وجوده، وحقيقة وجوده، فعرف ربَّه.

لماذا لا ينقذ الله عز وجل أهل غزة

لماذا لا ينقذ الله عزوجل أهل غزة

Loading

لماذا لا ينقذ الله عز وجل أهل غزة 

كم ترتعد الفرائص وتتفطَّر القلوب من تلك المشاهد التي تعرضها الشاشات، فالصواريخ تتفجَّر كالبراكين الملتهبة في سماء غزّة، ويتدفّق منها الدُّخان الأسود القاتم المختلط بغبار الركام كالغيوم المكفهرّة، وتتهاوى الأبنية على رؤوس ساكنيها من النساء والأطفال والشيوخ، فترتسم تلك الصور على الخواطر بألوانٍ داكنةٍ مُرْبَدّة، وتنعكس خيبةً في النفوس، وضيقاً في الصدور، وحزناً وألماً في القلوب.

   لا شكّ أنّ هذا الحزن والتأثّر والرّقّة دليلٌ على حياة القلب، وأنَّه مليءٌ بالرحمة، والله يحبُّ هذه الصفة من العباد؛ لأنّها من صفات المؤمنين.

   وإذا توقّف الأمر عند هذا الشعور، مع التسليم لأمر الله، والدعاء والتضرّع لهم، وتحديث النفس بالرغبة في نصرتهم والنزول إلى الميدان لو أتيح المجال، يكون المؤمن حينئذٍ في أعلى المراتب.

   ولكنّ الخلل يكون عند اجتماع الهواجس النفسية والوساوس الشيطانية لإفساد هذه الحالة الإيمانيّة، وتحويلها إلى اعتراضٍ أو إنكارٍ في سؤال معهود: أين الله من أهل غزّة، أليسوا مسلمين؟

لماذا يسلّط عليهم أعداء الدين والإنسانيّة، ولا ينقذهم من هذا الدمار والأهوال التي تحيط بهم؟

والجواب:

  إنّ من يعجب مما وقع لأولئك الشهداء ويطرح هذا السؤال، لم يدرك سنّة الله في الكون، ولم يدرِ أنّ ما يقع هو الخطّة الحقيقيّة التي أخبرنا الله عنها في القرآن، وحدّثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالخطأ في تصوّر المنكر وتفكيره، وليس في مجريات الأحداث.

 وإنّ مَثل مَن ينكر ويعترض كالذي التحق بدورةٍ تدريبيّةٍ ليرفع من رتبته العسكريّة، وهو يظنّ أنّه يقضي نزهةً واستجماماً، فإذا أُمِر بالمسير وتسلّق الجبال الشاهقة، يعترض حتّى لا يُنهك التعبُ جسمَه، وإذا فُرِضت عليه التدريبات الشاقّة، يقول: ينبغي استبدال هذه التدريبات بالألعاب المسلّية!

   وأمّا من يعلم الخطّة المرسومة، فيُقبِل إليها وهو في أهبة الاستعداد، ولا ينظر إلى المتاعب والمشاقّ التي تصيبه؛ لأنّه يدرك أنّ طبيعتها مبنيّة على الصبر والجلَد، ومواجهة المصاعب، وأنّ التَّرقي ورفعة المراتب لا تتحصّل إلّا بعد مجاوزة تلك الصعوبات والمشاقّ بنجاح.

   هذه هي الحقيقة التي غابت اليوم في ظلّ التوجّه العالمي إلى المتع الدنيويّة، والخلود إلى راحة الأجساد على حساب المبادئ والقِيَم، تلك المعاني التي صدّرها الغرب، حتّى ظنّ الناس أنّ متاع الدنيا هو الغاية العظمى من الحياة، وإذا تكدّر صفوها فقد فات الحظّ ووقعت الخسارة الكبرى، وغفلوا بالكلّيّة عن الفصل الثاني من حياة الإنسان، وهي الدار الآخرة.

 لذا فإنّ هذه المقالة غير موجّهة لمنكري الأديان؛ لأنّ مناقشة أفكارها مبنيّةٌ على الإيمان بالله واليوم الآخر، وبيان الاتّساق والانسجام بين ما أخبر الله ورسوله، وبين ما يجري من سنن الله في الكون.

  وأمّا منكر الأديان فلا يؤمن بذلك كلّه، ومن التناقض أن يطرح هذا الإشكال؛ لأنّه يلوم إلهاً وهمياً حسب تفكيره، وعليه أن يلقي اللوم على الطبيعة العمياء، إلّا أنّ الطبيعة معذورةٌ لأنّ الأعمى لا عتب عليه!

وللعودة إلى الجواب فلا بدّ من تقرير الحقائق الآتية:

أولاً- أحكمت الشريعة عوامل القوّة والتحصين في تعليماتها، وأمرت بالاعتصام بحبل الله، وعدم التفرّق والتنازع، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وقال أيضاً: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، ليلوذ المسلمون بحصن هذه الوحدة التي تشكّل قوّةً وهيبةً تحفظ النفوس وتصون كلّ من يحتمي بحماها، ولا يكون للعدوّ سبيلٌ للفتك بالمسلمين، فإذا خالف المسلمون تعاليم الله ضعفوا وزال ذلك الحصن، ومن ثمّ نتج الوهن وتسلّط العدو بمخالفة أوامر الشرع.

   وقد ربط الله المسبَّبات بأسبابها؛ ولن تُخرَق العادة إلّا في أحوالٍ خاصّة، فعندما سلك العدوّ مسالك القتل والتدمير تحقّق لهم ذلك؛ ومن الوهم أن ننتظر من الله تعطيل حركات العدوّ وإبطال مفعول أسلحتهم، أو إهلاكهم بخارقة، فلن تخرق العوائد إلّا لمن دخل ميدان القتال، وقام بالواجب التكليفي، حيث يأتيهم الإمداد من الله، وينصرهم على ضعفهم، وهذا أمرٌ مشهود.   

ثانيا- لا اعتبار للحياة الدنيا عند الله تعالى، ولو كانت لها قيمة لما سلّط الله العدوّ على المؤمنين: 

فقد بيّن تعالى هوان الدنيا وحقارتها، وأنّ الآخرة هي الحياة الحقيقيّة الباقية، قال تعالى: {وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].

قال الزمخشري: (هذِهِ فيها ازدراءٌ للدنيا وتصغيرٌ لأمرها، وكيف لا يصغّرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة، يريد: ما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها، إلا كما يلعب الصبيان ساعةً ثم يتفرّقون، {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ} أي ليس فيها إلا حياةٌ مستمرةٌ دائمةٌ خالدة لا موت فيها، فكأنَّها في ذاتها حياة) [الكشّاف: (3/463)]

وقال r: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) [الترمذي، وابن ماجه].

   لذا لم يعصم الله المؤمنين من تسلّط الظالمين أبداً، ولم يعهد لأحدٍ بذلك، بل إنّ المؤمنين على مرّ الأزمان تعرّضوا لظلم الكفّار وتعذيبهم وقتلهم، حتّى بعض الأنبياء قُتِلوا على أيدي الكفرة الفجرة، كسيدنا يحيى وسيّدنا زكريّا، وكثير من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام.

   وكذلك نجد المسلمين في مكّة تعرّضوا لأشدّ أنواع العذاب من المشركين، وأنّ آل ياسر رضي الله عنهم ماتوا تحت التعذيب، وأنّ المسلمين في شِعب أبي طالب حوصروا زهاء ثلاث سنين، قاطعهم المشركون فيها مقاطعة تامّة، ومنعوا عنهم البيع والشراء والنكاح وكل ما يتعلّق بالحياة، حتّى صار الأطفال يبكون من شدّة الجوع ولا يستطيعون النوم، وأكل المسلمون أوراق الشجر والجلود من شدّة المسغبة.

ولم يكن آنذاك في الأرض كلّها مؤمن يوحّد الله غير هؤلاء المحاصَرين، ومعهم سيّد الكونين محمد r، فالكفرة كانوا يتمتعون بالدنيا، وأفضل خلق الله محرومون ممّا يسدّ رمقهم! 

   وقد وردت قصّة أصحاب الأخدود في الكتاب والسنّة، بأنّ أهل القرية عندما آمنوا بالله رب الغلام، أمر الملك بحفر أخدود في أفواه الطرقات، وأضرم فيها النيران، وأمر بإحراق كلّ من لم يرجع عن دينه، فثبت المؤمنون على دينهم وأُلقوا في تلك الحفر المشتعلة بالنيران واستشهدوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبيّ لها فتقاعست أن تقع في الحُفَر؛ خوفاً على طفلها، فقال لها الغلام: (يا أُمّه اصبري فإنك على الحق) [أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه] فقد نطق الرضيع وأمر أمّه أن تلقي نفسها في النار، وأخبرها بأنّها على الحقّ.

ثالثاً- إنّ الابتلاء يلحق المؤمنين لإظهار صدقهم:

إنّ الله يمحّص عباده ويبتليهم ليُظهِر صدقهم وإيمانهم، فينزل عليهم البلاء والمصائب؛ ويكون النصر والفوز نتيجة الصبر والثبات، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] وقال أيضاً: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 – 157]

   وإنّ البلاء يشتدّ بالمرء كلّما ازداد إيمانه، ويخفّ كلّما ضعف دينه، قال سعد t، سألت رسول الله  r: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: (الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيُبتَلى الرجل على حسب دينه، فإن كان رقيقَ الدين ابتلي على حسب ذاك، وإن كان صُلب الدين ابتلي على حسب ذاك، قال: فما تزال البلايا بالرجل حتى يمشي في الأرض وما عليه خطيئة) [أحمد والحاكم والبيهقي].

   وإنّ اشتداد المصائب والبلايا التي تنزل على المؤمنين إنّما هي لكرامتهم عند الله وليست عقوبة لهم، وهذا المعنى لا يستوعبه جلّ أهل هذا العصر الذي رسخت فيه مفاهيم الانغماس في الدنيا والجزع من مكدّراتها، لكنها الحقيقة، قال r : (فو الذي نفس أبي القاسم بيده، إن الله ليبتلي المؤمن بالبلاء، فما يبتليه إلا لكرامته عليه، لأنَّ الله قد أنزل عبده بمنزلة لم يبلغها بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلايا ما يبلّغه تلك المنزلة) [مسند ابن أبي شيبة، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، والطبراني في الكبير، وابن شاهين في الترغيب].  

   لكنّ العاقبة للمؤمنين حتماً، فإنّ صبر النبي r وأصحابه قد أنتج نشر الإسلام في العالم، ودوامه على مرّ العصور، فللباطل جولة، وللحقّ دولة، وإنّ الصبر من بشائر النصر إن شاء الله. 

رابعاً- إنّ هذا الذي نراه عذاباً وقتلاً، هو في الحقيقة اصطفاء ومِنَح من الله؛ ليجتاز هؤلاء العباد دار الابتلاء والعناء بأعلى الدرجات، ويزول عنهم الخوف والحزن، وينتقلوا إلى الحياة الحقيقيّة حيث النعيم المقيم، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 – 171].

   ولو عُرِضت الدنيا بحذافيرها على أولئك الذين نراهم أشلاء وجثثاً على أن يعودوا إلى الحياة، ويكونوا ملوكاً، لرفضوا أن يتركوا ما هم عليه من النعيم، مهما أُعطوا من مُتَع الدنيا، إلا المقاتلين، فإنّهم يتمنَّون أن يعودوا إلى الدنيا عشر مرات، من أجل أن ينالوا الشهادة فحسب، لا لأجل الدنيا، قال r: «ما من أحدٍ يدخل الجنَّة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وأنَّ له ما على الأرض من شيء، غير الشهيد، فإنَّه يتمنَّى أن يرجع، فيُقتَل عشر مرات، لما يرى من الكرامة» [متفق عليه].

   ومن ثمّ نجد أنّ ما يحصل لأهل غزّة من القتل والدمار هو ذاته الذي حصل للمؤمنين الصادقين على مرّ العصور، وهو يتسق وينسجم مع سنّة الله في الكون، وأنّ ما نراه عذاباً وقتلاً هو في الحقيقة اصطفاء ومنحٌ إلهيّةٌ لينتقلوا من عذاب الدنيا إلى نعيم الآخرة.

في هذا العصر

في هذا العصر

Loading

هل الدين أفيون

في هذا العصر” إن أردت شهرةً فقيِّم كلَّ من أجمعَ أهلُ عصره على صلاحه أو قضت الأمَّة في أمرهم سابقاً .

في هذا العصر” إن أردت أن تكون بطلاً من أبطال الـ “الفيسبوك” والـ “يوتيوب” ما عليك سوى أن تضع عنواناً مُلفِتاً لمحتواك  كـ “حقيقة الشيخ فلان” أو “غلطة د. فلان” أو “فلان في الميزان”.

 فإمَّا أن تفتري عليه أو أن تجلب زلَّةً وقع فيها هذا الشيخ فتعظِّمها وتضخِّمها حتَّى يعتقد أنَّه أفسد من أبي لهب؛ مع أنَّ أئمَّة عصره الأعلام أجمعوا على صلاحه .

في هذا العصر” يُطعن بإمامٍ من الأعلام بينما لا يداني علمُ ذلك الطاعن علمَ المطعون فيه .

في هذا العصر” لست بحاجةٍ إلى تعلُّم أسس النقد المنهجيّ وأحكامه ولوازمه؛ ويكفيك لتصبح ناقداً كاميرة ومجموعةٌ من الكتب في خلفية الصورة، لا تفتحها إلَّا قاصداً البحث عن زلَّات العلماء للتشهير بهم.

في هذا العصر” ترى جمهورك يصفِّق لك لأنَّك أنقذته  من إمامٍ ما عرفوا عنه إلَّا زلَّته، وما عرفوا من كلِّ عالمٍ تحدَّثت عنه إلَّا زلَّاتٍ وهفواتٍ ضخَّمْتَها فظهرتَ أمامهم بمظهر المنقذ المنافح عن الدِّين والسُّنّة. 

كانت المناظرات في العصور الماضية داخل المسلمين أنفسهم يتدوال فيها العلماء القضايا عن فقه بها ودراية أمَّا: “في هذا العصر” فإنَّ كلَّ رويبضة -الرجل التافه- يظهر علينا؛ فيتحدَّث وهو دون أدنى مستوى من درجات تحصيل العلم والأدب.

في هذا العصر” أصبح منهج البعض لا البناء إنَّما النقد والنقض والتعيير والتنقيص والبحث عن الزلَّات دون إعارة أيِّ انتباهٍ لقاعدة “لا يُترك الأئمَّة الأعلام لأجل زلَّةٍ وقعوا بها.

وكما قال ابن الوردي في لاميَّته:

لا تَخُضْ في سبِّ ساداتٍ مَضَوا        إنَّــهــم ليســــــــــــوا بأهلٍ للزَّلل

وتَغـــــــــــــــــــــافَل عـــــن أمــــــورٍ إنَّــــــــــــــــــــــــــه       لم يفز بالحمد إلَّا من غفل 

منهج التزكية في الإسلام

غلاف منهج التزكية في الإسلام
منهج التزكية في الإسلام

منهج التزكية في الإسلام

Loading

منهج التزكية في الإسلام

الإسلام منهجُ حياةٍ متكامل، يهتمُّ بالجانب الفكريّ والعقلي؛ ولا يُغفل جانب الروح والقلب، لأنَّ أساسَ علاقة العبد بربِّه يعتمد على المحبّة والصفاء اللذين ينبعان من القلب، الذي ينعكس بالضرورة على علاقة المرء بالعالم من حوله.

لذلك شغلت تزكية القلوب الصحابةَ الكرام منذ زمن سيِّدنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد كانت مهمَّته عليه الصلاة والسلام إقامة دولة القلوب المصفَّاة لتقوم بها وعلى أركانها دولة الحقِّ.

وقد كان من دعاء سيِّدنا إبراهيم عليه السلام لأُمَّته وذريَّته: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (وَيُزَكِّيهِمْ) إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[سورة البقرة:129]، فمع تعليم القرآن والسُّنَّة كان للتزكية جانبٌ مهمٌّ، ولكنَّ استجابة المولى كانت مع تغييرٍ في الترتيب: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيْهٍم رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم يَتْلُوا عَلَيْهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيْهِم ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَة وَغِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِيْ ضَلَالٍ مُبِيْنٍ} [آل عمران164]، فقد قدَّم التزكية على العلم لأهمّيَّتها؛ فبها يثمر العلم على حقيقته.

واهتمَّ العلماءُ بعد الصحابة الكرام فألَّفوا في مناهج التزكية الكتب، وأُلقيَ حول معناها الكثير من الدروس والمواعظ، وإن كانت معانٍ تخاطب القلب وروح الإنسان، ودخل كثيرون مدرسة التزكية ليزكوَ بها سبيلهم في إعمار الأرض.

تُعرَّف التزكية: بأنَّها الزُّهد في الدنيا، وشَغْل القلب بخالقه وطاعته، والزُّهد لا يعني – كما يفهم البعض– ترك العمل في الدنيا، وإنَّما يعني سعي المرء فيها على أن تبقى في يده فلا تستولي على كيانه وفكره؛ ولا يصير عبداً لها دون خالقه، تغدو تحت تصرّفه من غير أن تملكه أو تملك قلبه، ويبقى قلبه عامراً بالله، موقناً بأنَّ كلَّ شيءٍ في الدنيا هو من الله.

فالإنسان مُطالَبٌ بالإيمان بأنَّ كلَّ خيرٍ وكلَّ رزقٍ هو من عند الله، وأنَّ رزقه مكتوبٌ معلومٌ عند خالقه جلَّ في علاه، ومع ذلك فهو مطالبٌ بالسعي للحصول على هذا الرزق وفي قلبه ذلك الإيمان.

رحمته في الجهاد

هذا هو المنهج الحقيقيُّ للتزكية؛ فهي تخليةٌ من كلِّ وساوس الشيطان والدنيا –مع السعي فيها– وتحليةٌ بكلِّ فضيلةٍ، وأن يكون كلُّ خيرٍ يكتسبه المؤمن وكلُّ شرٍّ يبتلى به سبباً له في التقرُّب إلى الله تعالى.

وإذا عُدنا إلى قصص الصالحين الذين كانوا أئمَّةً في التزكية وجدنا هذه المعاني متجسِّدةً في حياتهم، فهذا  حُجَّة الإسلام الإمام الغزالي يشعر بتسلُّل الكِبْر إلى نفسه لما علَّم وخرَّجَ من أجيال، فترك كلَّ شيءٍ وهجر بلاده، وعكف على نفسه يهذِّبها ويزكيها.

اعتزل الناس في دمشق؛ وألَّفَ كتابه العظيم: (إحياء علوم الدين)، وبعدما رأى من نفسه سلوك السبيل الصحيح الرشيد عاد إلى التعليم بجناحَي العلم والتزكية، لكنَّه لم يتوقَّف في عزلته عن العمل فكان في خدمة الجامع الأموي.

 إنَّه منهج التزكية؛ منهجٌ بعيدٌ عن الشطط والتكلُّف في العبادات، منهج الصفاء في القلب مع لُطف التعامل مع الخلق، والعمل الدؤوب في خدمتهم وإعمار الأرض.

ومن هذه المعاني ما نجده في الكتب الأُمَّهات لهذا العلم مثل كتاب: “الحِكَم العطائية” لابن عطاء الله السكندري، إذ يقول: (لا تُفْرِحْكَ الطَّاعَةُ؛ لأنَّها بَرَزَتْ مِنْكَ، وَافْرَحْ بِهَا لأنَّها بَرَزَتْ مِنَ الله إليكَ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.)

فمنهج التزكية منهجٌ أساسٌ في صياغة شخصية المسلم الناضجة المتكاملة وتعاملاته، وقد فازَ من التزمَ به وسعدَ.

لماذا حورب؟

لماذا حُورب؟

Loading

لماذا حورب

كان لدى المشركين أكثرُ من سببٍ لعداوة الإسلام، والتجهُّم لرسالته، ومخاصمة أتباعه. ولسنا نظنُّ الاقتناع بصلاحية الوثنية والاطمئنان إلى ما فيها من جهالةٍ وخرافة أحدَ هذه الأسباب، بل إنَّنا نستبعد ذلك من رجالٍ اشتغلوا بشؤون التجارة، وطوَّفوا في آفاق الدنيا، واستعرضوا الآراء والأفكار، وقاموا برحلاتٍ عظيمة الأثر في رفع المستوى العقلي… ثمَّ استمعوا بعد ذلك لمحاجَّة القرآن وأسلوبه الناصع في عرض الدعوة وبسط آياتها…

أترى أولئك النفر من قادة قريش وساستها كانوا يتعصَّبون للأصنام ضدَّ الإسلام عن فقهٍ واعتقاد؟

إنَّ سرَّ التكذيب والخصومة أبعد من ذلك، إنَّ التعصُّب لهذه الحجارة المعبودة لم يكن إلَّا ستاراً للحرص على المنافع المبذولة في ظلِّها، والشهوات المنطلقة برضاها، والسيادة المقرونة باسمها.

إنَّ حرص أصحاب الأوضاع القائمة على ما يستفيدون منه، ويرون ضياعه ضياع مجدهم وسقوط منزلتهم. والدعوة إلى الإسلام لم تكن دعوةً لهدم الأصنام فقط، بل لهدم الرجال الذين ربطوا كبرياءهم ومصالحهم ببقائها، وهاجت في نفوسهم مشاعر الحقد والغطرسة ضدَّ من يُهاجمها، ونظروا إلى الدعوة الجديدة ورجالها من زاويةٍ خاصَّةٍ! زاوية المنافسة والاستكثار والاستنكار… وانظر إلى هؤلاء المشركين يكشفون عن عواطفهم الدفينة وأسباب تكذيبهم لصاحب الرسالة العظيم فيصيحون: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا… [سورة القصص الآية 57].

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [سورة الزخرف الآية 31].

﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ.. [سورة الأنعام الآية 124].

﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ [سورة ص رقم ٨].

ماذا ترى في هذا التساؤل والاعتراض.

ألست تسمع فيه صراخ الهوى والأثرة ضدَّ الحقِّ المبين، لا لشيءٍ في هذا الحقّ غير الحسد لمن جاء به، والشعور بأنَّ انتصار الحقِّ سوف يقوِّض دولة الظلم، ويزلزل عظماءها، ويتخطَّفهم من أرضهم، ويمحو كافَّة ما لهم من امتيازاتٍ باطلة؟

ذاك سرُّ كراهية الجبَّارين والطغاة للإسلام ودعوته الجليلة في كلِّ زمانٍ ومكان. إنَّ فرعون لما تواقح على موسى، وألَّب حاشيته ضدَّ رسل الله لم يكن يعلم من نفسه أنَّه إله، وما كان أتباعه يحسبون أنفسهم عبيدَه الذين خلقهم من عدم… إنَّه الكبر والاستعلاء.

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [سورة النمل الآية ١٤].

وإنَّه ليستنهض الهمم في مقاتلة عباد الله بهذا الأسلوب العاتي المغرور:

﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ(56) [سورة الشعراء الآية ٥٣ حتى ٥٦].

أترى في هذا الأمر الفرعوني غلَّ السفه والجبروت؟!

أترى فيه أثارةً لعقلٍ أو بحقّ…؟ كلّا.

رحمته في الجهاد

في هذا الطريق الجائر مشت العلاقة بين رسل الله إلى الناس، وبين حرَّاس الضلالة والفوضى بين الناس. ما إن يدور النقاش على هذا النحو الذي رأيت حتَّى يضيق المبطلون بما يسمعون، ثمَّ يبدأ النفي والاضطهاد، وتبدأ الهجرة والفرار.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ(14) [سورة إبراهيم الآية 13 و 14]

إنَّ الخبراء بأحوال المجتمعات الفاسدة يعرفون بفطرتهم ما سيلقاه مصلحوها من عناء. وقد كان ورقة بن نوفل صادق الحدس عندما قدَّر أنَّ مكَّة سوف تتمرَّد على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتأبى مقامه فيها، وجاش في نفسه حبُّ النجدة والانتصار للحقِّ المستضعف، فقال: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك. فتساءل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، دهشاً:

(أوَ مُخرجيَّ هم…؟!) إنَّه تساؤل الرجل الشريف، البعيد عن خواطر الشرِّ ووساوس السوء، لا يمرُّ بفؤاده السمح ظلٌّ للعدوان فهو لا يفترضه في غيره! ثمَّ هو بأمانته ومروءته وطيد المنزلة بين الناس، فما الذي يؤلِّب الناس عليه ويحملهم على إخراجه؟

بيد أنَّ ورقة يؤكِّد ما يقول: (ما أتى رجلٌ قومَه بمثل ما جئت به إلَّا أخرجوه، ولئن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً).

وقد حدث ما توقَّعه ورقة، بل تمخَّضت الأحداث عن عدوانٍ أشدّ. فلم يخرج الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فقط، بل وضعت الجوائز المغرية لمن يأتي به حيَّاً أو ميتاً بعد ما أخفقت المؤامرة المبيتة على سفك دمه!

إنَّ كبرياء السادة، وملق الأتباع يضع أمام المصلحين عقباتٍ جِساماً دون تحطيمها جهاد وجلاد، وينبغي أن يتهيَّؤوا لذلك حتَّى لا تروعهم المفاجأة، وما أحسن قول المتنبِّي:

عرفنا الليالي قبلَ ما صنعت بنا              فلمَّا دَهَتنا لم تزِدْنا بها علما

إنَّ العداوة بين التوحيد والشرك بدأت عنيفةً جدَّاً، برغم أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم حاول جاهداً أن يلطِّف من حدَّتها، وأن يتجنَّب مضاعفاتها، وأن يضفي من فضله ونبله على ما حوله، فهو يصلُ مَن قَطعَه، ويُعطي من حرمه، ويعفو عمَّن ظلمه، ويُصابر السفهاء، ويلين للمشاغبين.

لكنَّ ذلك كلَّه لم يجد فتيلاً مع من اتَّخذ إلهه هواه…!

وهكذا أثبت تاريخ (العنهجية الوثنية) أنَّ ترويضها مستحيل، وأن تلطُّف الأنبياء معها لم يزدها إلَّا ضراوة، وأنَّ وحشيتها لا علاج لها إلَّا تقليم الأظافر وتحطيم الأنياب، وأنَّها لو استطاعت سفك الدم الحرام قتلت، ولو استطاعت كبت الحريَّات فعلت، لا يُثنيها شيء أبداً. والعداوة الأزلية الأبدية بين المحقِّين والمبطلين ليست ممَّا يأسف الإنسان له أو يستوحش منه مادام يحمل عليها حملاً.

بل لقد كان الرجال أصحاب المبادئ يفخرون بها ويرونها آية الصدق والاستقامة. 

المغالطاتُ العلمية في انتقاد السُّنَّة النَّبويَّة

المغالطاتُ العلمية في انتقاد السُّنَّة النَّبويَّة

Loading

من أراد أن يُظهر ذكاءه وعلمه فليبدع في اختصاصه -فالمشكّكون لا علاقة لهم بالعلوم الشرعية- وإذا أرادوا النفع فليقدّموا للإنسانية شيئاً مفيداً ضمن اختصاصاتهم

ينشر بعض من يدّعي دراسة الحديث النبوي أبحاثاً ودراساتٍ في انتقاد السُّنَّة النَّبويَّة وصحيح البخاري، ويشكّك في الثوابت، ويخرج بالمغالطات العلمية، التي تنمّ عن عدم درايته في الصَّنعة الحديثية، ثمّ يسخّف منهجيّة علماء الحديث وتفكيرهم، ويتّهمهم بأنّهم بعيدون عن العقلانيّة والتفكير المنفتح السليم، وأنّهم يضعون هالةً من القداسة على النصوص مبناها على العاطفة لا على العلم.

والمشكلة لا تقتصر على هؤلاء “الباحثين” لكنّها تتعدَّى إلى جمهور المسلمين ممَّن ليسوا من أهل الاختصاص، فيصدّق بعضهم هذه المغالطات، ويتبنَّون تلك الأفكار المبنيَّة على الوهم، ويقدحون بعلماء الحديث، وينسفون السنّة النبويّة بأكملها، ويظنُّون أنّ هؤلاء الباحثين يتحرّون الحقيقة العلميّة في انتقادهم للسُّنّة، وطعنهم بالمحدِّثين، وزعزعة الثوابت والأصول.

على أنّ ثوابت الدِّين وأصوله ليست فِكراً كي تقبل النقد، ولا ثقافةً كي تتغيّر أو تتلوّن بتلّون الشعوب، بل هي قائمةٌ على أدلّةٍ قطعيّةٍ كقطعيّة الشمس في رابعة النهار، ولو اطّلع المشكّك على منهجيّة العلماء الدقيقة الراسخة في تقريرها لخجل من جهله. 

فمن أراد أن يُظهر ذكاءه وعلمه فليبدع في اختصاصه -فالمشكّكون لا علاقة لهم بالعلوم الشرعية- وإذا أرادوا النفع فليقدّموا للإنسانية شيئاً مفيداً ضمن اختصاصاتهم العلميّة والأدبيّة، وليساهموا في حلّ مشاكل البشريّة التي تزداد تعقيداً، ويَدَعوا أهل الاختصاص الشرعيّ يبحثون ضمن اختصاصهم، لا أن يأتوا بالمغالطات والطعون والتشكيكات المبنيَّة على الأوهام والتناقضات العلمية، ويصوغوها بمظهر العقلانيّة وهي لا تعدو أخطاء وتناقضاتٍ علمية، ثمَّ يقومون بتسفيه أهل الاختصاص من العلماء الراسخين الذين قضوا حياتهم في دراسة كتاب الله وسنّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم بدقائقها وتفاصيلها منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا.

أفيُعقل أن تكون الأمَّة بأسرها على جهلٍ وضلالٍ منذ عصر النبوة إلى يومنا هذا! حتَّى ظهر اليوم أشخاصٌ أجانب عن العلوم الشرعيّة، لا يحسنون قراءة الآية القرآنية ولا الحديث النبوي ليدّعوا أنَّهم قد اكتشفوا الحقيقة التي جهلها المسلمون!

أَوَ يُعقل في عصر العلم والاختصاصات الدقيقة أن يُفسح المجال لكلّ صادرٍ وواردٍ ليطعن في السُّنَّة النَّبويّة عن جهلٍ ومغالطاتٍ، ويُقَلَّد وسام الإبداع! 

وفيما يلي أنموذجان من آلاف النماذج المبنيّة على الأخطاء العلميَّة وقد انتشرا وأُعجب بهما جمهورٌ عريض، دون أن يدركوا ما يحتويانه من مغالطاتٍ وأخطاءٍ جسيمة.

النموذج الأول:

ذكر أحدهم إشكالاً يسفّه به الإمام البخاري، ويضلِّل به المشاهدين، فيقول:

جاء في صحيح البخاري رقم (323) حدَّثنا هشام، عن يحيى (يعني ابن كثير)، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمِّ سلمة، قالت: (بينا أنا مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مضطجعة في خميلة …) الحديث.

ثمَّ قال: انظروا إلى غباء البخاري، كيف يروي أبو سلمة حديثاً عن ابنته زينب، عن أمّ سلمة بعد زواجها من النَّبيِّ، ولم يتزوّج النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أم سلمة إلَّا بعد وفاته! انظروا إلى هذا التناقض! إنّه في غاية الغباء والكذب.

وإذا عدنا إلى الحقيقة نجد أنّ هذا الناقد يفضح جهله؛ لأنّ أبا سلمة الذي روت عنه زينب بنت أبي سلمة ليس هو أبوها، ولا يظنُّ بعلماء الحديث هذا التناقض إلّا جاهلٌ لا صلة له بهذا العلم ولا بالصنعة الحديثية الدقيقة التي اتَّبعها الإمام البخاري وعلماء الحديث.

 فهناك علمٌ عند المحدِّثين يسمَّى: (علم الرجال) يدرسون فيه رواة الحديث النَّبويّ، ويتتبَّعون أحوالهم، وعدالتهم وضبطهم وتثبّتهم في الرواية، وصدقهم وخطأهم ووهمهم، وكلّ ما يتعلّق بذلك، ثمّ يحصرون كلَّ شيوخهم الذين أخذوا الحديث عنهم، وجميع تلامذتهم الذين رووا عنهم الحديث، ليضمنوا صدق الرواية وصحّتها، حتَّى لو ذكر أحدهم حديثاً وقال: حدّثني (فلان)، ولم يثبت أنّ هذا الراوي من تلامذة (فلان) لا يُقبَل حديثه ويتبيَّن كذبه.

ونعود إلى أبي سلمة الذي روى الحديث عن زينب بنت أم سلمة، فهو ليس الصحابي أبو سلمة زوج أمّ سلمة، وإنّما هو التابعيّ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ولكن، بسبب جهل المعترض يظنُّ أنَّه لا يوجد رجلٌ اسمه أبو سلمة إلَّا زوج أمِّ سلمة.

 وعندما يُذكر السند: (روى يحيى-يعني ابن أبي كثير- عن أبي سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمِّ سلمة) فالمحدّثون يعلمون مباشرةً أنّ أبا سلمة هذا هو التابعيّ ابن عبد الرحمن بن عوف، من خلال دراسة علم الرجال، لمعرفتهم عمّن روى عن أبي سلمة، وهو يحيى بن أبي كثير.

 قال النووي: (أبو سلمة التابعيّ: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، سمع أبو سلمة جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن سلام، وابن عمر، وابن عبَّاس، وابن عمرو بن العاص،.. وعائشة وأم سلمة.

روى عنه خلائق من التابعين وغيرهم، فمن التابعين عامر الشَّعبيّ، وعبد الرحمن الأعرج، ويحيى بن أبي كثير، وآخرون) [تهذيب الأسماء واللغات: (2/241)].

فعلم الحديث له أهله وأصوله، ومن يدّعي التناقض فيه إنَّما يفضح جهله.

النموذج الثاني:

وهو نموذجٌ عجيب، إذ ينكر صاحبه شخصيّة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ويدّعي أنّه شخصيّةٌ وهميّة، وأنّ أبا بكر الصِّدِّيق حسب كتب التراث ما هو إلَّا جنديٌّ غير ذي بال، قُتِل مع عبد الله بن الزبير سنة (73هـ) ولم يكن خليفةً للمسلمين يوماً من الأيَّام، ويأتي بعباراتٍ من الكتب ليؤكِّد كلامه، وفي الحقيقة إنّه يؤكد تخبّطه واضطرابه في إنكار شخصيَّة أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه الذي وردت خلافته بالاستفاضة والتواتر، ولا يختلف فيه أحدٌ من المؤرِّخين (من مسلمين وغير مسلمين).

 وإنّه يتعذَّر في المنهج العلميّ الذي يدّعيه هذا المدَّعي إنكار مثل هذه الشخصيّة الثابتة بيقين التي وردت أخبارها بالتواتر، فيقرّر أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق اسمه: (عبد الرحمن بن عثمان شارب الذهب)، ثم يستخدم الخلط التاريخيّ بين ثلاث شخصياتٍ، شخصيَّتان اسمهما (عثمان) وشخصيّة اسمها عبد الرحمن، ليجمع بينها ويخرج باسم: (عبد الرحمن بن عثمان شارب الذهب).

ومَوطن الخلط عنده يبدأ من عثمان بن عمرو (شارب الذهب)، فنقل عن البلاذري وغيره: أنَّ عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد يسمَّى شارب الذهب، وكان له من الأبناء معمر وعمرو وعمير وزهرة وعبد الرحمن، فزعم الناقد أنَّ عبد الرحمن بن عثمان هذا هو أبو بكر الصِّدِّيق، وأنَّه قٌتِل مع ابن الزبير…

لكنَّه لم ينتبه إلى أنَّ عثمان هذا غير عثمان والد أبي بكر، بل هو عمّ أبيه.

وإليك الخلط التاريخيّ الذي وقع فيه:

– الشخصية التي أشار إليها (عبد الرحمن بن عثمان) وادّعى أنَّه هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق، ليس هو ابن عثمان بن عمرو (شارب الذهب)، ولا هو ابن عثمان بن عامر (أبو قحافة والد أبي بكر)، بل هو ابن حفيد عثمان الذي هو ابن عمِّ والد أبي بكر الصِّدِّيق، وهو: (عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أسلم يوم الحديبية، وقيل يوم الفتح، وكان يقال له شارب الذهب) [انظر: تهذيب التهذيب: (6/227)]، وهو من الرُّواة المعروفين لدى الدارسين للصَّنعة الحديثية، ومن ثمّ يظهر لديه هذا التلفيق والخلط.

– أنَّ عثمان بن عمرو شارب الذهب هو جدّ الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله أحد المبشَّرين بالجنة، واسمه: (طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد التيميّ)، كما هو معروفٌ في كتب التراجم، ويلزم من هذا الخلط أن يكون أبو بكر الصِّدِّيق عمُّ طلحة بن عبيد الله! [أنساب الأشراف للبلاذري (10/ 115)]

– ورد في النقل الذي ذكره ذلك المدّعي عن البلاذري أنَّ لعثمان شارب الذهب من الأبناء: معمر وعمرو وعمير وزهرة، وأنّهم إخوة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ومن المعلوم أنَّ أبا بكرٍ ليس له إخوةٌ ذكور، وإنّما له أختان فقط هما أم فروة وقريبة…

– وقد دلّس ذلك المدّعي على الناس في نقله عن البلاذريّ، ذلك أنَّ البلاذريّ حينما تعرَّض لأنساب بني تيم بدأ بأبي بكرٍ الصِّدِّيق وترجم له ترجمةً مستفيضة، ونسبه بنسبه المعروف (عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد التيمي). [انظر: أنساب الأشراف للبلاذري (10/ 51)]

 ثمَّ ذكر أبناء عثمان بن عمرو (شارب الذهب) أخو عامر بن عمرو جدّ أبي بكر، وفصل بينهما في النسب [انظر: أنساب الأشراف للبلاذري (10/ 142)]

 ثمَّ يسمِّي هذا التلفيق والتخليط بحثاً علمياً، ويعتبره مادَّةً إعلاميَّةً قابلةً للتسويق وإثارة الجدل.[وانظر موقع هوية بريس، مقال بعنوان: حينما يُسمّى التلفيق والتدليس بحثاً علمياً، رشيد أيلال نموذجاً، بقلم د. إبراهيم أيت باخة].

فهذان أنموذجان من آلاف النماذج، وعليهما فقِس تلك الأساليب التي يستخدمونها في الطعن والتشكيك، وهي لا تعدو تخبّطاً وتلفيقاً ومغالطات، وغايتهم من ذلك أن يشكِّكوا بالعلم الذي دوّنه العلماء المسلمون، بقصد زعزعة الثوابت، وإنّ مجرّد لجوئهم إلى هذا الخلط والتلفيق دليلٌ على قوّة علوم المسلمين وسلامتها ورسوخها.

المرأة نصف المجتمع

المرأة نصف المجتمع

Loading

ولكنَّها لم تنظر إلى وراء، ولم تلتفت إلى التراب تحت قدميها, وإنَّما ظلَّت ناظرةً مبهورةً دائماً إلى الغرب, على حين ظلَّ هو شاخصاً إلى الشرق, إلى مطلع الأنوار

#المرأة نصف المجتمع…
عبارةٌ سمعناها مراراً وتكراراً من جميع فئات المجتمع، ويضاف: إنَّ لها الحقُّ في التَّعبير عن رأيها في كلِّ كبيرةٍ وصغيرة…
فيطرح هنا سؤال: هل كانت #المرأة على هذه الحال منذ العصور الأولى؟
هل كان للمرأة حقٌّ محفوظٌ في العصور الأولى؟
أسئلةٌ تخطر في بال كلِّ من يقرأ عن دور المرأة الحالي في المجتمع…

استغرق موضوع المرأة والدِّفاع عنها وإعطاؤها حقَّها المداد الكثير في العالم الإسلامي، ولا غرابة في ذلك على الإطلاق، فالمرأة هي نصف المجتمع حقَّاً، ويمكنها الحصول على حقوقها وحفظ كرامتها… ولها كامل الاحترام والتَّقدير تماماً كالرَّجل، فهي شريكته في الأمور كلِّها، وهما مخلوقان من أصلٍ واحدٍ كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا ربَّكم الذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحدةٍ وخَلَقَ مِنها زَوجَها وبثَّ مِنهما رِجالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الذي تَسَاءَلُوْنَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبَاً [سورة النساء/آية8]

أمَّا عن تعاملهم مع #المرأة في العصر الجاهليّ فقد كانوا قبل #الإسلام يعاملونها بكلِّ همجيَّةٍ، مما يدلُّ على قسوتهم وانعدام الرَّحمة والإنسانيَّة من قلوبهم… كانوا يقتلونها وهي طفلةٌ صغيرةٌ، وكانت تُدفَنُ وهي على قيد الحياة حتَّى تموت!
كيف لقلبك أن يحتمل دفن طفلةٍ صغيرةٍ لا تعرف من الدُّنيا شيئاً، ولم تؤذيك في شيء، ما هذا #القلب القاسي؟ وعجباً لهذا التصرُّف الشنيع الذي عدَّه ديننا كبيرةً من الكبائر، وقد أنزل الله تعالى في كتابه الكريم آيةً عن عادة الوأد تلك، تحذِّر منه.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُوْدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ[سورة التكوير/آية8]
حتَّى جاء الإسلام برحمته وعظمته وكرَّم الأُنثى منذ أن كانت طفلةً، وفي الحضِّ على مودَّتها قال ﷺ : ((لا تكرهوا البنات فإنَّهنَّ المؤنسات الغاليات)) [أخرجه أحمد والطبراني]

وممّا كان يقوله الإمام أحمد ابن حنبل إذا بلغه أنَّ احد أصحابه رُزِق ببنت:
(أخبروه أنَّ الأنبياء آباء بنات، ولا يزال الرَّجل عقيماً من الذراري حتَّى يُوهب البنات، وإن كان له مائة من الأبناء). [سيرة الإمام أحمد:40]

لقد أمر الإسلام بالرأفة بالأنثى ومودَّتها ورحمتها، فقد حظيت في #الإسلام بالرَّأفة والرَّحمة منذ أن كانت طفلةً صغيرة.
وبعد أن كبرت تلك الطِّفلة الصَّغيرة، وأصبحت شابَّةً ناضجةً، وأكرمها الله بالزَّواج، ثُمَّ بالذُّرِّيَّة، وأصبحت أمًّا لأطفالٍ تسهر ليلها معهم، وتقضي أوقاتها جميعها في خدمتهم وتربيتهم وتعليمهم، وتحرم نفسها كثيراً من الأمور لكي تعطي أولادها جميع ما يستحقُّونه، نجد السُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة أكرمتها، وأعظمت برَّها، وأعطتها الاحترام والتقدير كلَّه:
((عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: مَن أحقُّ النَّاس بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثُمَّ من؟، قال: أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوك“. [متفق عليه]

لقد كرَّر النَّبيِّ ﷺ لفظ الأمِّ مراراً لأنَّها تتعب وتسهر وتعطي كلَّ ما تملك لولدها، وهي الَّتي حملت به تسعة أشهرٍ ألـماً ووهناً.

ثمَّ نجد الإسلام كرَّم المرأة في زواجها، حيث شرَّعَ لها الصّداق وهو (المهر)، وقد فرضه الله عزَّ وجلَّ على الزَّوج تكريماً للمرأة، وإظهاراً لصدق رغبته بها، ولتكون عنده عزيزةً كريمةً ليست مُهانةً أو لا قدْرَ لها، ولا لتكون خادمةً ذليلة، على العكس تماماً، فهي المطلوبة لا الطَّالبة، وهي المعزَّزَةُ لا المهانة.
وبعد ما ذكرناه من إكرام الإسلام للمرأة، فهل يعقل أن يكون قد نسي تكريمها وإعطاءها حقَّها كاملاً من غير نقصانٍ، شأنها شأن الرَّجل في الميراث؟
لا والله لقد أعطاها هنا حقَّها كاملاً، وأُنزلت آياتٌ في كتاب الله الكريم توضح حقَّها، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿للِّرجالٍ نَصِيْبٌ ممَّا تَرَكَ الوالِدَانِ والأقْرَبُوْنَ ولِلنِّساءِ نَصِيْبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُوْنَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيْبَاً مَفْرُوْضَاً[سورة النساء/آية7]

وقال تعالى واصفاً حقَّها ومبيِّنه: ﴿يَسْتَفْتُوْنَكَ فِي الكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوْا إِخْوَةً رِجَالَاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوْا وَاللهُ بِكُلِّ شَيء ٍعَلِيْمٌ[سورة النساء/آية 127]

هذا هو الإسلام، دين الرَّحمة والإنسانيَّة… هذا هو الإسلام الَّذي أعزَّ المرأة، وجعل لها رأياً في كلِّ ميدان، شأنُها شأن الرَّجل، لا يزيد عنها بشيءٍ… فهي قويةٌ بدينها وعلمها وعقلها، وتراها عند أصعب المواقف كالرِّجال أو أكثر، لا تخاف ولا تخضع لمن يريد أن يستغلَّ ضعفها وتبدو شجاعةً قويَّةً.

لقد جعل الإسلام المرأة في حصنٍ حصينٍ من كلِّ لئيمٍ يريد أن يظلمَها أو يُهينَها أو يجعلَها بلا قيمة. وبعد هذا كلَّه يأتي أحدهم ويقول لك: الإسلام ظلم المرأة!

إنَّهُ لم يقرأ عن الإسلام شيئاً، ولم يقرأ القرآن الكريم والسُّنَّةَ النَّبويَّة بفهمٍ وتمعُّنٍ حتَّى يعلمَ ويفهمَ كيف أعزَّ الإسلام المرأة، وجعل لها الاختيار والرَّأي والتَّكريم.

وختاماً: الحمد لله الَّذي جعلنا من هذه الأمَّة الـمُحمَّديَّة المسلمة العادلة، وجزى الله سيِّدنا مُحمَّداً ﷺ عنَّا ما هو أهله.

هو يختار ويحاسبه

هو يختار ويحاسبه

Loading

كيف يهدي الله أشخاصاً ولا يهدي آخرين, ثُمَّ يحاسبهم على ذلك!

وضع الله تعالى كتابه دستوراً للعباد, وإرشاداً إلى أصحِّ الطرق التي يجب على العبد اتّباعها حتى يسعدَ في الدنيا والآخرة, ولا يكون ذلك إلا عند الاستمساك بهذا النور والعمل بما جاء به.

 وجاء في القرآن الكريم بيانٌ للتَّكاليف التي كلَّفَ الله تعالى بها العباد وما أمرهم به, وفيه عدله تبارك وتعالى في محاسبة الناس بناءً على ما قاموا به, وقد رزقهم الإرادة والمشيئة في الاختيار, قال تبارك وتعالى في سورة غافر: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾]غافر17[, وهذا تمام العدل الذي يتَّصف به سبحانه.

ولقد عبَّد الله تعالى طريق الهداية والوصول إليه للبشر كافَّة, وأيَّدَ ذلك بإرسال الرسل والأنبياء للدّلالة على الحقِّ ببراهين واضحةٍ ومعجزاتٍ خالدةٍ لا يُنكرها إلَّا فاسد القلب والعقل, وأضاف إلى ذلك الكتب السماويَّة الإرشاديَّة لحياة العبد التي ما فرَّطَ بها من شيء, ثمَّ فتح أمام العبد باب الاختيار بين طريقي الخير والشِّرِّ بعد أن صارا واضحين له, ولم يُبقِ لهم الحجَّة عليه أبداً. لكنَّ علمَ الله كاشفٌ فهو يعلمُ اختيار العبد قبل أن يختار, قال تعالى في سورة الصافَّات: ﴿واللهُ خَلَقَكَمْ وَمَاْ تَعْمَلُونَ﴾.

 لكنَّه جلَّ جلاله لا يحاسب العبد على علمه به, فهذا العلم ليس لِزاماً على العبد, وليس مسيَّراً به, بل هو يختاره بكامل حريَّته وإرادته مع علم الله السابق لاختياره.

وصِفَةُ العلم ثابتةٌ لله تعالى, يقول جلَّ جلاله في مُحكَم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وهي صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى, متعلِّقةٌ بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات على وجه الإحاطة على ما هي عليه من غير سبق خفاء, ويعلمُ الله من الأزل أنَّ هذا العبد سيختار طريق الهداية والخير أو طريق الضلال والشَّرِّ, فإنَّه جلَّ جلاله لا يسخِّرُ الطريق لشخصٍ ويمنعه عن آخر جبراً وقسراً, فصفةُ علم الله كاشفةٌ وليست مُؤثِّرة, لكنَّ مشيئة العبد تتعلَّق بمشيئة الله وسابق علمه, قال تعالى في سورة التكوير: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾]التكوير29[.

وإرادة الله تعالى مرتبطةٌ بالعلم, ولقد علم جلَّ جلاله أنَّ أبا لهبٍ لن يؤمن باختياره المطلق مع وصول سُبل الهداية إليه, ولم يُرد له الإيمان بناءً على ذلك, فكفر أبي لهب غير مأمورٍ لله, وغير مرضيٍّ له, وهو مرادٌ له.

ولا يرضى الله عزَّ وجلَّ لعباده إلا الهدى, فكفر الكافر غير مرضيٍّ له, ولو أسلم لكان مرضياً ومراداً له, ولكن لعلم الله أنَّه لن يؤمن فلم يُرد له الإيمان نتيجةً لاختياره للكفر.

ختاماً:

يُحاسب الله تعالى العبيد على اختياراتهم وأعمالهم بعد تقديم الدليل الإرشاديِّ لهم, وبعد تبيين طريق الخير وسبل السير فيه, وطريق الشرِّ وسبل الابتعاد عنه واجتنابه, وبناءً على اختياراتهم يحاسبهم بكمال عدله, وإن أراد عاملَهم وحاسبَهم برحمته, وهذا مزيدُ كرمٍ منه سبحانه وتعالى.