الإعجاز اللغوي

غلاف الدكتور شوقي أبو خليل

الإعجاز اللغوي

Loading

الإعجاز اللغوي

يقول علماء العربية:

القرآن الكريم في أعلى درجات الفصاحة في آيــاتـه وسوره كلِّها، وعلى اختلاف المعاني التي جاءت في هذه السور والآيات، ومعلومٌ في تاريخ الأدب العربي أنَّ لكلِّ شاعرٍ من شعراء العربية ضرباً من المعاني هو عليه أقدر، وبيانه عنه أعلى، ولهم في هذا أقوال في طائفة الشُّعراء جرى بعضها مجرى الأمثال، وقالوا:

أشعر الناس امرؤ القيس إذا رَكِب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وزهير إذا رغب.

وهكذا أنت في كلِّ شاعرٍ استغرقه ضربٌ من المعاني، وامتازت عبارته عنه ضرباً من الامتياز ، إلَّا كتاب الله.

قال تعالى في الترغيب: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة۱۷/۳۲].

وفي الترهيب: ﴿ وَاستَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيد مِن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى من ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجرِّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسيغُهُ ويأتيه المَوْتُ مِن كُلِّ مكانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتِ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ[إبراهيم:14-17]، فالبلاغة في الترغيب، كالبلاغة في الترهيب. ومثالٌ آخر: ﴿قَال لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَد قَدَّمتُ إليكم بالوعيد مَا يُبَدَّلُ القَولُ لدي وما أنا بظلام للعبيد يَوْمَ تَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَل امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزيد﴾ [ق:٢٨/٥٠ -٣٠] ، هذا ترهيب، بعده مباشرةً ترغيب:

﴿وَأُزلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غير بَعِيدٍ هذا ما توعدون لكُلِّ أواب حفيظ مَن خَشِيَ الرَّحمن بالغيب وَجَاءَ بِقَلْبِ مُنيب ادخُلُوها بسلامٍ ذلك يوم الخلودِ، لَهُم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} [ق:٢١/٥٠ -٣٥].

الأسلوب البلاغيُّ لم يتغيَّر، والزجر والوعظ أيضاً، بمستوىً رفيعٍ لا مثيل له. وللقرآن موسيقاه الخاصَّة به، ونغمته المتميِّزة، ووقعه الخاص، مع أسلوبٍ غريبٍ في المطالع والمقاطع والفواصل، والعرب -أصحاب اللغة- أدرى به، ويتراءى لقارئه من خلال آياته ذاتٌ إلهيةٌ عادلة، حكيـمةٌ، جبَّارة، خالقة، بارئة، مصوّرة، لا تضعف في مواطن الرحمة.

والقرآن ليس بنثر، كما أنَّه ليس بشعر، إنَّه قرآن. ليس نثراً لأنَّ له قيوده الخاصة، ولا توجد بغيره، وليس شعراً لأنَّه غير مقيَّدٍ بقيود الشعر وتفعيلاته، لذلك سلّمت العرب ببلاغته وفصاحته، ويذكر هنا أنَّه بعد انتهاء حروب الرّدة، قدم وفدٌ من بني حنيفة إلى المدينة المنورة، فقال أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه لأفراد الوفد: أسمعـونـا شيئاً من قرآن مسيلمة، فقالوا: أوَ تُعفينا يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا بدَّ من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت ضفدعين، لحسن ما تنقنقين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، امكثي في الأرض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكنَّ قريشاً قوم يعتدون. [الاكتفاء ٢ /١٦، الكامل في التاريخ ٢٤٤/٢، البداية والنهاية ٣٢٦/٦، الطبري ٢٨٤/٣] .

وكان يقول: والمبذِّرات زَرْعاً، والحاصدات حَصْداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والخـابزات خُبزاً، والثَّاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمنا…

فاسترجع أبو بكر رضي الله عنه، أي قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثمَّ قال: ويحكم، أيُّ كلامٍ هذا.

لقد استرجع أبو بكر رضي الله عنه، إذن هنالك وفاة، من مات؟ لقد مات ذوقهم الأدبي، وماتت فصاحتهم، لذلك قال: « ويحكم أيُّ كلامٍ هذا؟!».

وبعد هذا كلِّه، أقدِّم لسيادتك لمحاتٍ من الإعجاز اللُّغوي:

  1. من صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى أنَّه (غفورٌ رحيم)، وقد وردت هـاتـان الصفتان في القرآن الكريم كثيراً على هذا الترتيب، بتقديم كلمة (غفور) على كلمة (رحيم)، مثل:{فَمَنِ اضْطَرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه إنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ[البقرة:۱۷۳/۲].
    ﴿فإنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيم﴾: [البقرة: ١٩٢/٢ ]. ﴿نَبِّئ عِبادِي أَنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحيم﴾: [الحجر: ١٥/٤٩]
    ﴿إلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولئكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رحيماً [الفرقان:٧٠/٢٥].
    ﴿وإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحصُوهَا إِنَّ اللهَ لغَفُورٌ رحيم[النحل: ١٨/١٦].
    إلَّا في سورة سبأ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلجُ في الأَرض وما يخرج منها وما ينزل من السَّماءِ وما يعرج فيها وهو الرَّحيمُ الغَفُور﴾، فتقدَّمت (الرَّحيم) على كلمة (الغفور) خلافاً للمألوف في جميع السُّور الأخرى، فما السرُّ والحكمة في ذلك؟
    بدأت الآية  بـ(يعلم)، وانتهت بقوله تعالى: ﴿وَهُو الرَّحيمُ الغَفُور}، فتقدَّمت كلمة (الرّحيم) على كلمة (الغفور) لتقترن الرحمة بالعلم، انسجاماً مع ربط الرحمة بالعلم، وإلَّا انقلب (العلم) إلى وحشيةٍ وظلمٍ وفسادٍ وضياع: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رحمةً وعلماً [غافر: ٧/٤٠]، ﴿ولقد جئناكم بكتابٍ فصَّلناهُ على علمٍ هدىً ورحمةً لقومٍ يؤمنون[الأعراف٥٢]، وهكذا ربطت الآيات بين العلم والرحمة، وإن لم يكن العلم رحمـةً قـاد العلم العالم للتدمير لا للتعمير، العلم بلا رحمـةٍ قـنـابـل، دمار، خراب، قتل جماعي، لقد اقترن العلم
    في الإسلام بالرحمة.

  2.  كلمتا (الأموال) و(الأنفس) إذا اجتمعتا في آيةٍ واحدة، تقدَّمت الأموال على كلمة الأنفس:
    {لَتُبْلَوُنَّ في أموالِكُم وَأَنْفُسَكُم[آل عمران:١٨٦/٣].{وتجاهِدونَ في سبيل الله بأموالِكُم وَأَنفُسِكُم[الصف11]
    {فَضَّل الله المجاهدينَ بِأمْوالِهِم وَأَنفُسِهِم عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء:٩٥/٤]، فالإنسان يقدِّم ماله، ويبذله رخيصاً ليحمي نفسه، فتقدَّم ذكر المال. أمَّا في سورة التوبة، فقد ورد: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنينَ أَنفُسَهُم وأموالَهُم بأنَّ لهمُ الجَنَّة﴾ خلافاً للمألوف المعتاد في كتاب الله تعالى، فما السرُّ؟
    إنَّ ثمرة الجهاد في الآخرة هي الجنَّة، والنفوس هي التي ستدخل الجنة وتتمتَّع بها لا الأموال، لذا وردت كلمة الجنَّة هنا كعرضٍ يقدَّم للمجاهدين بعد أن قدَّموا الأنفس والأموال في سبيل الله: {بأنَّ لهم الجنَّة}، فناسب أن تتقدَّم كلمة (الأنفس) على كلمة (الأموال)، لأنَّ الأنفس أغلى من الأموال، وهي التي ستنعم بالجنَّة الموعود بها في هذه الصفقة الرابحة بين الله وعباده، التي وردت بلفظ: {اشترى}، والإنسان في البيع والشراء يحرص على الأفضل، والأغلى، والأكثر ربحاً، فإذا جاد الإنسان بنفسه، ولم يضنَّ بها في سبيل الله، استحق أن يفوز بسلعة الله الغالية وهي الجنَّة.
  3. (الفاء) تفيد الترتيب مع التَّعقيب: ﴿وَجاءَ إخوةُ يوسفَ فَدَخَلُوا عليهِ فعرفهم وهم له منكرون [يوسف: ۵۸/۱۲]، (فالفاء) هنا تشعرنا أنَّه لا حارس، ولا حاجب على باب يوسف، فقد دخلوا عليه فور وصولهم، وعرفهم فور دخولهم، كلُّ ذلك من مجرَّد إيراد حرف (الفاء).
    (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي، أي مع امتداد الزمن: ﴿يا أَيُّها الناسُ إن كنتم في ريبٍ من البعثِ فإنَّا خلقناكم من ترابٍ ثمَّ منْ نطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقة وغيرِ مُخلَّقةٍ[الحج: ٥/۲۲]، فبين مرحلة النطفة والعلقة أربعون يوماً، وبين مرحلة العلقة والمضغة أربعون يوماً (ثمَّ) دلَّت على هذا (الترتيب) مـع هـذا (التراخي) في الزمن.
  4. {ولا تخاطبني في الذينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقون[هود: ۳۷/۱۱]، [والمؤمنون: ۲۷/۲۳]. قال الكوفيون: إنَّ حرف الجر (في) تضمَّن معنى (الباء)، والمراد لا تخاطبني بحديث الذين ظلموا لأنَّني قضيت فيهم بحكمي عليهم أن أُهلكهم فأغرقهم جزاءً لكفرهم وعنادهم. وقال البصريون: إنَّ فعل تخاطبني قد تضمَّن معنى تراجعني، وفعل راجع يتطلَّب حرف الجر (في)، والمراد: ولا تراجعني في الذين ظلموا، فتطلب مني العفو عنهم، ولو كان ولدك منهم، فقد حقَّ القول عليهم أن يغرقوا لإصرارهم على الكفر والطغيان.
  5. {إنَّ الأبرار يشرَبُونَ من كأسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافُوراً عَيْنا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرونها تفجيراً} [الإنسان6]. وفي المطفِّفين: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقرَّبون}.
    {عَيْناً يَشْربُ بهَا}، فعل يشرب يتضمَّن هنا يرتوي ويلتذُّ، وهذه الأفعال تتطلَّب حرف الجرِّ (الباء)، فأخذت ما يناسبها، والمراد يشربون مرتويين ومتلذذين بها، فليس المقصود مجرَّد الشرب، بل المقصود التلذُّذ والارتواء دون أذىً أو إرهاق.
  6. ﴿يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور[الشورى٤٩].
    كلمة إناث قبل كلمة الذكور جبراً لخاطر الإناث، وليحبِّب الوالدين بهنَّ، وقدَّم الإناث على الذكور لأنَّ العرب كانوا يستاؤون من الإناث، وجاء الإسلام لينقذ الأنثى من هذا الموقف غير السليم، فقدَّم الإناث على الذكور، فلا تشاؤم بهنَّ، إنَّهنَّ هبة الله. لقد قدَّم الإناث في مجتمعٍ كان يكره الإناث.
  7. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجِنَّةِ الَّتي كُنتُم تُوعَدُون[فصلت: ٣٠/٤١]
    (تَتَنَزَّلُ) لا تنزَّل، إنَّ تشديد الزَّاي يدلُّ على أنَّ الملائكة تنزل على المؤمنين مرّةً بعد مرَّة.
    وفي سورة الحجِّ: ﴿وليـوفـوا نـذورهم وليطَّوَّفوا بالبيت العتيق﴾، وليَطوَّفوا، لا يَطُوفُوا، فالتشديد في (وليطوَّفوا) يُفيد أنَّ المراد أكثر من شوط. وفي سورة المائدة٧٥: ﴿وإن كُنتُم جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، والتشديد في ﴿فاطَّهروا﴾ دليل المبالغة في التطهُّر.
  8. وفي سورة التوبة: ٤٧، بحقِّ المنافقين: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلَّا خبـالاً﴾.
    لو خرجوا فيكم، لا خرجوا معكم، لأنَّ (معكم) هنا تفيد التكريم بهذه المعية، بينما المراد هنا أنَّهم مندسُّون منافقون، فجاء النَّص (ولو خرجوا فيكم): فأعطت (فيكم) المعنى المراد والمناسب للمنافقين.
  9. ﴿وَإن طائفتانِ مِنَ المؤمنين اقتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينهما[الحجرات:٩/٤٩]، طائفتان: مثنى، اقتتلوا: جمع بينهما مثنى، فلم يُرد (اقتتلتا) لتبقى الآية كلَّها مثنى، لماذا؟ عند التحام الطائفتين تصبحان (جمعاً) من الأفراد المتقاتلين، فجاءت(اقتتلوا)، فإذا مالوا إلى الصلح وكفُّوا أيديهم، عادوا طائفتين (مثنى).
  10. ﴿ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أشياءهم﴾ [الأعراف85 وهود85، الشعراء183]. (أشياءهم)، لا حقوقهم، لأنَّ حقوقهم تشمل النـاحيـة المــاديــة، بينما (أشياءهم) تشمل الناحيتين المادية والمعنوية معاً.
  11.  تقول قاعدة في اللغة العربية: كلُّ صفةٍ اختصَّت بها للمرأة تذكَّر ولا تؤنَّث، لذلك تقول: هذه امرأة حامل، مُرضع، حائض، ثَيِّب، بينما في سورة الحج: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرضعت}، لا كلُّ مرضع، لم يُرد هنا الصفة، إنَّما أراد (الفعل)، أي المرأة التي ثديها في فم طفلها، التي تحنو عليه في حجرها، هذه تذهل عن طفلها عند زلزلة الساعة.
  12. ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جَعَلَ الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً[النساء:٥/٤]، (فيها)، لا (منها)، لأنّ منها تعني أكلها ونقصها، وبالتالي نهايتها، أمَّا (فيها) فتعني من تثميرها، ومن ريعها وأرباحها.

الإعجاز اللغوي فيه الكثير الكثير، نكتفي بما سبق، لننتقل إلى إعجازٍ من نوعٍ آخر، ولكنَّنا نذكِّر بآيتين كريمتين: ﴿أَمْ يَقُولون افتراهُ قُل فأتُوا بِسُورَةٍ مثلِهِ[يونس:٣٨/١٠]، وفي الطور: ﴿أم يقولونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُون فليأتوا بحديثٍ مثلِهِ إنْ كانُوا صَادِقين﴾.

لقد سكت العرب عن المعارضة ، وقد صكَّ التحدي أسماعهم بإلحاحٍ وشدَّة.

إنَّ القوم قد أدركوا مفارقة نظم القرآن الكريم لما ألفوه من وجوه نظمهم في بلاغاتهم، وأحسُّوا بعجزهم التام عن الإتيان بمثله، أو بسورةٍ واحدةٍ من مثله، فسكتوا إيثاراً للسلامة: ﴿فَإن لم تفعلوا وَلَن تَفْعَلُوا فاتَّقوا النَّارَ التي وقـودهـا النَّاسُ والحجارة[البقرة:٢٤/٢].

إلى أي مدى يمكن أن نقتبس من هذه الحضارة المعاصرة

مع رجالات خوار -محمد الغزالي- غلاف
مع رجالات خوار -محمد الغزالي- مستطيل

إلى أيِّ مدىً يمكن أن نقتبسَ من هذه الحضارة المعاصرة؟

إلى أيِّ مدىً يمكن أن نقتبسَ من

هذه الحضارة المعاصرة؟

كان رجال التعليم والتربية في اليابان أيقاظاً عندما اتَّصلت بلادهم بأوروبا في القرن الماضي، أو قل: كان حرَّاس التقاليد الموروثة صاحين عندما قرَّرت اليابان الاستفادة من التفوُّق الصناعي الغربي، فقد أعدُّوا لكلِّ جديدٍ يُقتبس مكانه فوق أرضهم، ومساحته المادية والأدبية التي لا يعدوها، وهيمنوا ببصرٍ حادٍّ على الآثار المتوقَّعة حتَّى لا تفلت من أيديهم، أو تتحرَّك بعيداً عن خُططهم المرسومة. 

ومع التزام هذا الخطِّ الصارم بقيت الشخصية اليابانية محفوظة السمات ثابتة الملامح، فانتقلت الصناعات الغربية إلى اليابان، ولم يتحوَّل اليابانيون إلى أوروبيين في عقائدهم أو لغتهم أو آدابهم وأخلاقهم. 

إنَّهم فعلوا ولم ينفعلوا وقادوا ولم ينقادوا. 

وكانت هناك أديانٌ بينها فجوات، البوذية من ناحية، والشنتوية من ناحية أخرى…  والأتباع المخلصون تقتسَّمهم وجهات نظرٍ شتَّى، ومذاهب فقهيةٌ كثيرةٌ إن صحَّ التعبير. 

بيـد أنَّ لوناً من المعايشة السلمية فرض نفسه على الجميع؛ فإذا اليـابانيـون كلُّهم دون حساسياتٍ دينية يتعاونون على إنهاض بلدهم ورفع لوائه، وتمَّ لهم ما أرادوا… 

إنَّ للنَّجاح الحقيقيِّ أساساً لا يتغيَّر هو النفس الإنسانية، فإذا استقرَّ هذا المهاد لم  يبق شيءٌ ذو بال، وقد كان محمَّدٌ  e أعرف إنسانٍ بهذه الحقيقة، فاتَّجهت جهوده كلُّها قبل أيِّ شيءٍ إلى داخل الإنسان تصوغه وتضبطه وتطمئنُّ إلى قراره ومساره، وهو يعرف أنَّ هذا الإنسان سوف يفرض نفسه على بيئته يوماً عندما تنزاح العوائق من أمامه… 

ولم يحاول قط الاصطدام بالأسوار الخارجية قبل استكمال هذا الداخل المهم… 

ومن ثمَّ ترك الأصنام منصوبةً حول الكعبة عشرين سنة، لم يُهشِّم واحداً منها في معركةٍ طائشة، بل الثابت في سيرته أنَّه طاف في عمرةٍ في السنة السابقة حول الكعبة والأصنامُ جاثمةٌ حولها، وفى الأوضاع التي كانت عليها من بدء الدعوة …

أكان ذلك بُقيى عليها، أو توقيراً لها؟ … كلَّا… لقد كان يعلم أنَّ لها أجلاً لا ريب فيه، وأنَّها عن قريبٍ أو بعيدٍ ستتحوَّل جُذاذاً. 

ومن الذى يقوم بهذا التحويل الحاسم؟ الرجال الذين استناروا من الداخل،  وتربَّوا على التوحيد الحقّ… 

لقد عرفوا أنَّ الذباب أقوى من هذه الأصنام، وأنَّها لا تثبت في معركةٍ معه… 

ألم يتلوا قوله تعالى: ((يا أيُّها الناسُ ضُربَ مثلٌ فاستمعوا لهُ إنَّ الذينَ تدعونَ منْ دونِ اللهِ لنْ يخلقُوا ذباباً ولو اجتمعوا لهُ وإنْ يسلبهُمُ الذُّبابُ شيئاً لا يستنقـذوهُ منهُ ضَعُفَ الطالبُ  والمطلوبُ)).

فليتربَّصوا بهذه الأصنام يوماً لا ريب فيه دون استعجالٍ، وليهتمُّوا بداخلهم يتعهَّدونه فهو الوجود الآتي مع الغد… 

ويتساءل أناس: ما هذا التعهُّد الشاغل المهم؟ ونقول : هو تعهُّد الوعي ليكون صحيحاً، والباطن ليكون نظيفاً، والخلق ليكون عظيماً، والإخاء ليكون وثيقاً، والهدف ليكون واضحاً… فالأمم لا تبنى بالصور وإنَّما تُبنى بالحقائق… 

إنَّ المنافقين أحسن الناس للمراسم، وقلوبهم هواء… أمَّا المؤمنون فـإنَّ نضج نفوسهم، وزكاة سرائرهم، هما سرُّ عظمتهم، وسرُّ مآل الأمور إليهم. 

ولا يُعرف في تاريخ الهداة رجلٌ مثل محمَّدٍ e أحسن صوغ النفوس وإيقاظ ملكاتها وإدارتها بأعظم ما فيها من طاقة، وجعلها تدفع ولا تندفع، وتؤثِّر ولا تتأثَّر… 

فهل نحن الدعاة المنتمين إليه نفهم هذا المنهج، ونلتزم منطقه؟؟… إنَّ الموجِّهين اليابانيين كانوا أذكى منَّا وأقدر في مواجهة المشاكل وهزيمة الصعاب. 

نظرت بحسرةٍ إلى «الخلق الفردي» في الإفادة من التقدُّم الصناعي العالمي، ما هذا؟ 

هذا شابٌّ يقود سيارةً فـارهةً تنهب الأرض نهباً، ينزل منها بأناقةٍ وكبرياء، ويرمق الشارع بنظرة استعلاء، يشترى بعض السلع ثمَّ يمتطى سيارته ويعود من حيث جاء… 

إنَّه ما زاد من الناحية الإنسانية شيئاً عن الأيَّام التي كان سلفه يمشي فيها حافياً أو منتعلاً… وما تشرف به أُمَّته ولا أسرته.

وهذا عاملٌ قادمٌ من وادي النيل، ماذا حمل إلى وطنه؟ «فيديو»! إنَّ المسكين جمد عرق جبينه، وأرهق أعصابه في هذا الجهاز المسلِّي، وسيحمله منتصب القامة والهامة لأنَّه أصبح به أرفع مستوى، وما درى المسكين أنَّه بما يحمل نقص وما زاد… 

العرب في الحضارة الحديثة شعوبٌ مستهلكةٌ تتنافس الدول الصناعية على إلهائها بالأدوات البرَّاقة والمخترعات المريحة. 

والدعاة لا يدرون كيف يستنقذون أمَّتهم المخروبة من هذه الأوضاع القـاتلة؛ لأنَّهم لا يتَّجهون إلى داخل الإنسان المسلم، يحرِّكون ما توقَّف من أجهزته، وينيرون ما أظلم من مصابيحه… إنَّهم يتحرَّكون نحو الظاهر القريب أو تحته بقليل… 

إنَّ قُدرة أُمَّةٍ ما على الصدارة في الأرض، أو توريث أمَّةٍ ما قيادة العالم كما يعبِّر القرآن الكريم، لا يجيء بين عشيَّةٍ وضحاها، ولا يتمُّ بخصائص سهلةٍ، لا… إنَّ له صلاحياتٍ معيَّنة أومأ إليها الوحي في قوله سبحانه: ((ولقد كتبنا في الزَّبورِ منْ بعدِ الذِّكِر أنَّ الأرضَ يرثُها عباديَ الصالحونَ))

لا تظنَّ المدى قريباً بين ما قَصَّه القرآن الكريم عن ذلِّ بني إسرائيل قديماً، وبين تمكُّنهم في الأرض بعـد ذلك، عندما توعَّد فرعون قوم موسى، وجاء على لسانه: سنقتِّل أبناءَهمْ ونستحيي نساءَهم وإنَّا فوقَهم قاهرون)).

 قال موسى لقومه: ((واستعينوا باللهِ واصبروا إنَّ الأرضَ للهِ يُورثُها من يَّشاءُ من عبادهِ والعاقبةُ للمتَّقين)). 

ومرت السنون، وتغيَّرت الأوضاع: ((وأورثنا القومَ الذينَ كانوا يُستضعفونَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها التي باركنا فيها)) إنَّ ذلك كلَّه لم يتمَّ في أيَّامٍ قلائل،  إنَّه استغرق عشرات السنين، حتى أمكن وفق سنن الله الاجتماعية أن يرزق العبيد أخلاق السيادة الحقيقية. 

والواقع أنَّ العرب أيَّامَ البعثة تعهَّدتهم بالصقل والتهذيب يدٌ صَنَاع، ومضت بهم  في طريق المجد نبوَّةٌ مُلهمةٌ، نبوةٌ حوَّلت الماء والطين إلى أزهارٍ ورياحين… 

نعم إنَّ الإسلام حول العُريَ إلى ربَّانيين بعد ما كانوا شياطين، وجعلهم نماذج تحتذى في ميادين العـبادات والمعاملات، فكانت قـيـادتهم خيراً وبركةً وكانت فتوحهم الفكرية والروحية أندى وأجدى من فتوحهم العسكرية الخارقة.

وعندما سقطت القيادات الـقديمة من الفرس والروم لم يَبكِها أحد، لم يتخلَّف عن سقوطها فراغٌ يحاول الآخرون ملأه! بل الذى حدث أنَّ الشعوب تنفسَّت الصعداء، ورأت أنَّ ما جدَّ في ربوعها أولى بالتقدير والاحترام، أو أولى بالرعاية والحماية.  

لكنَّ عرب الـيوم على غرارٍ آخر، ودعك من التخلُّف الصناعيِّ والحضاريِّ، ولننظر إلى قضايا اجتماعية وأخلاقيةٍ هي من صميم حياتنا الداخلية… 

ما تقاليد الزواج عندنا؟ هناك أعرافٌ متَّبعة: أنَّ قبـيلةً دون قبيلة… وأنَّ أُسرةً أعرق من أسرة… وأنَّ مكانة امرئٍ ما تنبع من نسبه… وقد ساند هذا السلوك الجائر تفكيرٌ فقهيٌّ يؤكِّد أنَّ المرأة من بني أميَّة أو بني هاشم لا يرقى إلى مستواها الرجل من عرقٍ آخر… 

أليست هذه هي التفرقة العنصرية التي جاء الإسلام لمحوها؟ هل نستطيع تصدير هذا التفكير إلى العالم؟ وهل نكون صادقين مع الله عندما نزعم أنَّ ذلك دينه؟   

وهل يقبله أهل الأرض منَّا؟ 

وفى أقطارٍ كثيرةٍ رأيت الشباب يئنُّ من غلاء المهور، وأحسست أنَّ العوائق هائلةٌ دون الحلال، وأنَّ المغريات كثيرةٌ نحو الحرام، فهل هذا العجز في علاج أهمِّ الغرائز البشرية يعدُّ نصراً إسلامياً، وهل رسالة أُمَّتنا الاجتـماعية تصعيب الطيِّبات وتيسير الخبائث، وهل يهشُّ العالم لتقاليدنا تلك؟ 

ولا أمضي في سرد أمثلةٍ لتعثُّر قضايانا الاجتماعية، وإنَّما أمدُّ البصر لقضايانا  الخلقية التي لن نستورد لبحثها خبراء أجانب… 

شكا لي شابٌّ ناشئٌ موهوبٌ وعورة الطريق أمامه، فقلت له يائساً: امض بمواهبك إلى الأمام دون انتظار عونٍ من أحد… بل توقَّع الكبَـد والصدَّ لأنَّ البيئات التي نعيش  فيها لا ترحِّب بالموهوبين، ولا تؤتِ كلَّ ذي فضلٍ فضله… لا كارهة، أو مغلوبة… أغلب الناس يعيش داخل قوقعةٍ من أنسه ومآربه، وقلَّما يلتفت إلى الأخرين ليُسدي عوناً، أو يقدِّم يداً… والطريقة التي يدرسون بها الدِّين لا تعين على زكاة النفس وسنائها، فالأجرب عندما يرتدى ثوباً غالياً جميلاً قد يستر علَّته حيناً، بيد أنَّ ذلك لا يشفي سقامه، هكذا نرى الذين يؤدُّون مراسم العبادات، ولا يهذِّبون أنفسهم. الفارق بين الإنسان والحيوان أنَّ الحيوان يتحرَّك بدوافع حاجاته الخاصَّة ولا يحسُّ إلَّا ذاته! أمَّا الإنسان فالمفروض أنَّه يحيا في مجتمعٍ له ضوابطه وآدابه، وعلى المرء أن يحسَّ بنفسه وبغيره معاً، والصورة الدنيا للسلوك البشري تظهر في أفعال المجرمين الذين لا يهتمُّون إلَّا بما يشتهون، أمَّا صور الرقيِّ المنشود فتتضح كلَّما اختفت الأنانية، وغاب الإحساس بالغير، والتقدير لحقوقه… 

وقد أقام الإسلام شعار: «في سبيل الله» ليخلع الإنسان من أثرته، ويدفعه إلى ربِّه! فالإنفـاق ينبغي أن يكون في سبيل الله، والجهاد ينبغي أن يكون في سبيل  الله، والسعيُ في هذه الدنيا ينبغي أن يكون في سبيل الله، بل المحيا والممات جميعاً في سبيل الله… 

وهذا الشعار يعني في النشاط العام أمرين: ابتغاء وجه الله، وتحقيق المصلحة العامَّة، وفقهاؤنا يرون أنَّ حقَّ الجماعة داخل في كلِّ ما هو لله، إذ الإسلام يمزج بين الدين والدولة، والعبادات والمعاملات. 

والذى حدث في هذا العصر أنَّ المقاييس الأخلاقية في الغرب غالت في حقِّ المجتمع، وقهرت به النوازع الشخصية، وجعلت «المواطن» يرعى وطنه، ومصلحة قومه ورفعة أمَّته… إلى آخره، وضبطت بذلك أنانيته الخاصَّة. 

أمَّا المنتمون إلى الدين فإنَّ شعار في سبـيل الله: «نُسي، أو تنوسي، في مجال  التربية»! … وتُرِك سرطان الأنانية يمتدُّ ويتوغَّل، فـماذا كانت النتيجة؟… فرقةٌ مستغربة بين مجاهدي أفغانستان، وبين محرري فلسطين! وسيطرت المأرب على أغلب الأنشطة العامَّة… فإذا الشخص الذى يعمل لوطنه في أوروبا أيقظ ضميراً من مثيله الذى ينتمي إلى الدِّين وهو لا يفكِّر في سبيل الله، وإنَّما يفكِّر في تنمية ثروته أو دعم مكانته… 

إنَّ المبدأ الإسلاميَّ الأوَّل في التربية وهو: ((قد أفلحَ منْ زكَّاها)) لا يتحقَّق بالدَّعوى ولا بالصياح، وإنَّما يتحقَّق بتطبيقٍ عميقٍ حاسمٍ في شؤون الحياة وبين جميع الطوائف… 

إنَّ «ديغول» ولي نعمة فرنسا الحديثة دُفن دون الأدغال في قريته، وامرأته الفاضلة تعيش بين جدران ملجأ يرعى شيخوختها… على حين نرى من خانوا أمَّتهم أو غشُّوها يُدفنون وسط أحفالٍ مائجة، وتوضع في أفواه أُسرِهم ملاعق الذهب! فهل هذه مثاليَّات الإسلام كما نراها؟ وهل تنتصر الدعوة الإسلامية بهذا  التفاوت الصارخ؟

إنَّ الطيبة أو التقوى أو القـدرة على ميز الخبيث من الطيِّب وإيثار الحسن على القبيح، كانت المشاعر التي برز بها سلفنا الأوَّلون بل آباؤنا الأقربون… ولقد عرفت فلَّاحي قريتنا وأنا صغـيرٌ ينامون مبكِّرين بعد صلاة العشاء، ويستيقظون مع الفجر، فـيذهبون صوب حقولهم، وقـد تذهب إليهم زوجاتهم أو أولادهم بالغـداء، فـما يعودون من مزارعهم إلَّا مع الغروب.. وكانت أراضيهم تدرُّ السمن والعسل، وبركات الله تنهمر عليهم بالغدوِّ والآصال… 

والآن بعد السهر والسمر على شتَّى الـبرامج والنوم حتَّى الضحى، وإضاعة الصلاة، واتِّباع الغفلات ماذا نجني؟… 

سمعت مُعمِّرين منهم يتحدَّثون عن الماضي، والسؤالُ نفسه مع أهل الخليج، يقولون: كنَّا فقراء، ولكنَّ الرجولة والاستعفاف وتقوى الله كانت تسود الآفاق… إنَّ الغد مع الشهوات الواعدة الوافدة مرُّ الثمر… 

أريد من أمَّتنا أن تقتبس من حضارة الغرب ما يوافق أو يوائم مع فطرة الله في مواريثنا… 

ثمَّ ماذا على الدُّعاة والمربِّين لو درسوا الأساليب التي اتَّبعها اليابانيون في الاستفادة من هذه الحضارة؟  

إنَّ هناك خللاً في التركيب الإنساني لأمَّتنا طرأ عليها مع ترادف العلل السياسية والاجتماعية، جعل المنطق العلميَّ يتقهقر، وتحلُّ محلَّه الأوهام، وجعل الاكتمال النفسيَّ يضعف وتسدُّ فراغه بعض الشعائر وصور الطاعات. وعلماؤنا الكبار لم تخدعهم هذه النقائض، ولذلك رفض ابن القيِّم من الغني البخيل أن يُكثر الذكر ويُطيل الصيام، فعبادته الأولى العطاء! كما رفض من الداعية الجبان أن يثرثر بالأوراد، ويعتكف بعيداً عن الناس فعبادته الأولى الأمر والنهي والنصح. 

وفى عصرنا هذا لا يخفى ما تحتاج إليه أمَّتنا كي تنهض من عثرتها، وما أيسر التوفيق بين التقدُّم الحضاريِّ ومواريث الدِّين والخلق، والوفاء بحقوق الله…

مصدر سيادة الإنسان في الإسلام

مع رجالات حوار الدكتور البوطي -مربع-
مع رجالات حوار الدكتور البوطي -مستطيل-

مصدر سيادة الإنسان في الإسلام

مصدر سيادة الإنسان في الإسلام

غير أنَّ مصدر هذه السيادة في كتاب الله وحكمه مختلف اختلافاً بيِّناً عن مصدرها لدى أرباب النظم الديمقراطية، فهي في كتاب الله وشرعه خِلعةٌ كرَّم الله بها الإنسان الذي هو في  ذاته وواقعه عبدٌ مملوكٌ له عزَّ وجلّ.

أمَّا في تصوُّر واضعي النظم الديمقراطية، فهي حقٌّ ذاتيٌّ استوجبه الإنسان لذاته، دون تفضُّلٍ من أحدٍ عليه بها. 

وقد اقتضى هذا الاختلاف في النظر إلى المصدر أن يقرِّر أولـو النظم الـديمقراطية أنَّ الإنسان هو الذي ينبغي أن يحكم نفسه بنفسه، وأن يكون المشرِّع لبني جنسه، دون أن يكون ثمَّة أيُّ حقٍّ لكائنٍ ما في التدخُّل بشأنه.

في حين أنَّ الشريعة الإسلامية أبرزت كامل الانسجام والتوفيق بين السيـادة التي  جاءت خلعةً من الله تعالى للإنسان، والعبودية التي يصطبغ بها هذا الإنسان لله عزَّ وجلَّ من حيث كينونته ومصدر وجوده.

 ومن ثمَّ فإنَّ على هذا الإنسان الذي يمتَّع بسيادةٍ تامَّةٍ فوق هـذه الأرض بين أقرانه، وأن يدين في الوقت ذاته بـالعبودية لله U، وأن يخضع كامل الخضوع لكلِّ ما يشرِّعه له من نظمٍ  وأحكام. 

ومن نتائج هذا الاختلاف، ما قرَّرته الشريعة الإسلامية من أنَّ الإسلام هو المسؤول الأوَّل عن رعاية سيادة الإنسان ضدَّ سائر الآفات التي قد تتربَّص بها، ومن ثمَّ فــإنَّ السلطة التشريعية في حياة الإنسان هي لله وحـده، في حين أنَّ النظم الـديمقراطية ترى على اختلافها أنَّ الإنسان هو المسؤول الأوَّل عن سيادة ذاته، وأنَّه هو الذي يتحمَّل أعباء الحماية التامَّة لحقوقها ضدَّ كلِّ ما قـد يتربَّص بها من أخطار، ومن ثمَّ فإنَّ سلطة التشريع كما تراه هذه النظم إنَّما هي للإنسان. 

وهنا يعود السؤال الذي افتتحنا به بحثنا هذا ليفرض نفسه من جديد: أيَّهما الأولى بل الأقدر على رعاية هـذه السيـادة التي ثبت بالاتِّفاق أنَّ الإنسان متَّصفٌ أو مكرَّمٌ بها؟ الإنسان نفسه، أم الإله الذي خلق الإنسان وأضفى عليه خلعة هـذه السيادة؟

لعلَّ التجربة التاريخية هي التي تملـك الجواب القـاطع عن هذا السؤال الكبير. 

وأنا أعني بالتجربة التاريخية، تجربة تحميل الشريعة الإسلامية مسؤولية رعاية السيادة الإنسانية، أيَّام كانت هذه الشريعة مطلقة العنان، صاحبة السلطة فعلاً، وكان دور المجتمعات الإسلامية دور المنفِّذ لها، والأمين عليها… وتجربة تحميل النظم الوضعية بالمقابل في مجتمعـاتٍ كثيرةٍ أخرى، مسؤولية رعاية هذه السيـادة وتوفيرها بشكلٍ حقيقيٍّ لأصحابها بمن فيهم الأفراد والجماعات.

تزوير التاريخ

مع رجالات خوار -محمد الغزالي- غلاف
مع رجالات خوار -محمد الغزالي- مستطيل

تزوير التاريخ

تزوير التاريخ

للاستعمار الحديث براعةٌ منكرةٌ في تزوير التاريخ، وإخفاء بعض معالمه، وإبراز البعض الآخر بعد تشويه المفاهيم، وتحريف الكلم عن مواضعه… وغرضه من هذا هو خداع الأجيال الناشئة عن أصلها.

ولَّى زمامها عن وجهتها العتيدة، وكما ينتقل مجرى النهر لتنسكب مياهه في مصبٍّ آخر، أو لتذهب بدداً في أرضٍ عمياء، يُنقل مجرى التاريخ، وتُحوَّر أحداثه وأحكامه حتَّى يصبح لها مـعنى بدل معنى، وتوجيه غير توجيه… 

وقد تضافر المستعمرون على تمزيق التاريخ الإسلامي وتحريفه خلال القرنين الأخيرين ليكون في سياقه الجديد المختلق عوناً على الغزو الثقافي الواسع المنظَّم، وليمكن على إيحائه الـمصنوع صبّ الأمَّة الإسلامية الكبرى في القوالب الكثيرة التي أُعدَّت لها. 

وهى قوالب شُكِّلت بعنايةٍ ودهاء، كي تتبدَّد خلالها رسالة القرآن، وتتلاشى في طول العالم وعرضه أُمَّته الواحدة… 

وقد ساعد على نجاح هذه الخطَّة إلى حدٍّ ما؛ الضعفان الخلقيّ والعلميّ اللذان صارت إليهما الأمَّة أيَّام العثمانيين. 

وأبرز مظاهر هذا النجاح وجود جماعاتٍ غفـيرةٍ تعـتقـد أنَّ الدِّين لـم يكن وراء حركات المقاومة للحملات الأجنبية على البلاد.

أي إنَّه –خلال القرن الماضي– لم يكن له دورٌ في مدافعة الاحتلال الفرنسي ثمَّ الاحتلال الإنجليزي الطويل… 

كانت الـمقاومة نابعةً من بواعث أخرى مادية، أو محلّية، أو عنصرية، أو أيَّ شيءٍ آخر… إلَّا الدِّين! ويتبع ذلك الفهم عزل الدِّين مستقبلاً عن حركات التحرُّر، وميادين المقاومة.

ومن يدري؟ فقد ينمو هذا الوهم، ويوغل في الشرود لِيُتَّهم الدِّين نفسه بأنَّه قيدٌ على حركات الشعوب، وآمالها في حياةٍ أرقى، وأرغد!  

ولا يطلب الاستعمار الثقافيُّ أكثر من هذا الضلال… ونرى لزاماً علينا أن نكشف الحقائق التي يُراد طمسها، وأن تُقطع هذه السلسلة من الترَّهات والأباطيل التي راجت بين القاصرين والأغرار. 

عندما احتلَّ الفرنسيون مصر، كان الإسلام وحده، ولا شيء غيره هو الذى أشعل نار المقاومة المسلَّحة، والمقاومة السلبية. 

لقد استمات المسلمون في مناضلة الغزاة، وتعويق تقدُّمهم، وأرخصوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ولم يجبنوا أمام تفوُّق الفرنسيين العسكري، ورجحان كفَّتهم في كلِّ شيء، ولا أمام الخيانات المفاجئة من بعض المواطنين! 

وقاد الأزهر حرب الدفاع المقدَّس، فحكم الفرنسيون على عشراتٍ من علمائه الشبَّان بالقتل، ونفَّذ فيهم حكم الإعدام فرادى وجماعات!

كما نفَّذ حكم الإعدام بطريقةٍ بشعةٍ قذرةٍ في سليمان الحلبي قاتل الجنرال كليبر، ودخل الغزاة بخيلهم ورجلهم صحن الأزهر.

ولكنَّ الثورة التي اشتعلت في القاهرة والأقاليم لم تنطفئ جذوتها، وظلَّت جثث القتلى تفوح روائحها في القاهرة وحدها أكثر من ثلاثين يوماً. 

ويقدَّر عدد المسلمين القتلى في مقاومة الغزو الفرنسي بنحو نصف مليون قتيل في مُدن الوجهين القبليّ والبحريّ والقاهرة. 

ولكنَّ الغريب المخزي أنَّ صور هذه المقاومة الباسلة طُويت طيَّاً، بل مُحيت محواً من صحائف التاريخ المدروس بين جماهير الطلاب والمثقفين…! وسطر فصول المأساة نفَس باردٌ ميت! 

وقام جهد مزوِّري التاريخ على أمرين

أوَّلهما سحب ذيول النسيان على دور الإسلام في المعركة، وإغفال تضحيات المسلمين الجسيمة، وخسائرهم الفادحة في الأرواح والأموال. 

الأمر الآخر –وهو ما يطيش له اللبّ-: إبراز الحملة الفرنسية على أنَّها خيرٌ وبركةٌ لمصر والمصريين!

فأيُّ زورٍ هذا الزور؟ وأيُّ هوانٍ هذا الهوان؟ 

رؤية النبي ﷺ لسيدنا جبريل

مع رجالات حوار الدكتور البوطي -مربع-
مع رجالات حوار الدكتور البوطي -مستطيل-

رؤية النبي ﷺ لسيدنا جبريل

رؤية النبي ﷺ لسيدنا جبريل

لماذا قذف الله في قلبه عليه الصلاة والسلام الرعب منه؟ ولماذا احتار النَّبيُّ في فهم حقيقته؟ ألا تقتضي محبَّة الله لرسوله أن يلقي السكينة في قلبه، ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد؟ لماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي ساوره طائفاً من الجنّ؟ ألم يستيقن من أوَّل الأمر أنَّه ملكٌ أمينٌ من عند الله تعالى؟

لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدَّةً طويلة؟ ولماذا جزع النَّبيُّ  بسبب ذلك جزعاً عظيماً حتى كاد يتردَّى من شواهق الجبال حسب ما رواه الإمام البخاري؟ 

هذه أسئلةٌ طبيعيةٌ بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي، ولدى التفكير في أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة: ألا وهي أن يجد المفكِّر الحرُّ فيها الحقيقة الناصعة القائمة على المنهج العلميّ اليقينيّ، والواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري، والتأثُّر  بأخيلتهم المتكلَّفة الباطلة. 

لقد فوجئ محمَّدٌ عليه الصلاة السلام وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له: اقرأ، حتَّى يتبيَّن أنَّ ظاهرة الوحي ليست أمراً ذاتياً داخلياً مردُّه إلى حديث النفس المجرَّد، وإنَّما هي استقبالٌ وتلقٍّ لحقيقةٍ خارجيةٍ لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات. وضمُّ الملَك إيَّاه ثمَّ إرساله ثلاث مرَّاتٍ قائلاً في كلِّ مرَّةٍ: اقرأ، يُعتبر تأكيداً لهذا التلقِّي الخارجيّ، ومبالغةً في نفي ما قد يُتصوَّر من أنَّ الأمر لا يعدو كونه خيالاً داخلياً فقط.  

ولقد داخله الخوف والرعب ممَّا سمع ورأى، حتَّى إنَّه قطع خلوته في الغار، وأسرع عائداً الى البيت يرجف فؤاده، لكي يتَّضح لكلِّ مفكِّرٍ عاقلٍ أنَّ رسول الله لم يكن متشوِّقاً للرسالة التي سيدعى إلى حملها وبثِّها في العالم، وأنَّ ظاهرة الوحي هذه لم تأت منسجمةً أو متمِّمةً لشيءٍ ممَّا قد يتصوَّره أو يخطر في باله، وإنَّما طرأت طروءاً مثيراً على حياته، وفوجئ بها (بالرسالة) دون أيِّ توقُّعٍ سابق.

ولا شكَّ أنَّ هذا ليس شأن من يتدرَّج في التأمُّل والتفكير إلى أن تتكوَّن في نفسه -بطريقة الكشف التدرجي المستمر- عقيدةٌ يؤمن بالدعوة إليها…

ثمَّ إنَّ شيئاً من حالات الإلهام، أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي، أو التأمُّلات العلوية، لا تستدعي الخوف والرعب واصفرار اللون. يدلُّ على ذلك القياس اليقينيّ القائم على استقراء الحالات وجميع الظروف المشابهة، وليس ثمَّة أيّ انسجامٍ بين التدرُّج في التفكير والتأمُّل من ناحية، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحيةٍ أخرى، وإلَّا للزم من ذلك أن يعيش عامَّة المفكِّرين والمتأمِّلين نهباً لدفعاتٍ من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة.

وأنت خبيرٌ أنَّ الخوف، والرعب، ورجفان الجسم، وتغيُّر اللون، كلُّ ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها. حتَّى لو فرضنا إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه عليه الصلاة والسـلام، وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة من الصدق والأمانة إلى عكس ذلك تماماً.

ويتجلَّى مزيدٌ من صور المفاجأة المخيفة لديه ، في توهُّمه بأنَّ هذا الذي رآه، وغطَّه، وكلَّمَهُ في الغار، قد يكون طائفاً من الجنّ، إذ قال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي) أي من الجان، ولكنَّها طمأنته بأنَّه ليس ممَّن يطولهم أذى الشياطين والجانّ لما فيه من الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة.

هل الدين أفيون

مصطفى محمود
غلاف مصطفى محمود

هل الدين أفيون

Loading

هل الدين أفيون

قال لي صاحبي الدكتور وهو يغمز بعينيه :ما رأيك في الذين يقولون أن الدين أفيون وأنه يخدر الفقراء والمظلومين ليناموا على ظلمهم وفقرهم ويحلموا بالجنة والحور العين.
بينما يثبت الأغنياء على غناهم باعتبار أنه حق وأن الله خلق الناس درجات؟
وما رأيك في الذين يقولون أن الدّين لم ينزل من عند الله وإنما طلع من الأرض من الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة؟ وهو يشير بذلك الى الماديين وأفكارهم. قلت:  ليس أبعد من الخطأ القائل بأن الدين أفيون.. فالدين في حقيقته أعباء وتكاليف وتبعات وليس تخففاً وتحللاً وبالتالي ليس مهرباً من المسؤوليات وليس أفيوناً وديننا عمل وليس كسلاً .
 ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ )) [١٠٥ – التوبة]
ونحن نقول بالتوكل وليس بالتواكل. والتوكل يقتضي عندنا العزم واستفراغ الوسع وبذل غاية الطاقة والحيلة ثم التسليم بعد ذلك لقضاء الله وحكمه.
((فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)) [١٥٩ – آل عمران]
العزم أولاً والنبي يقول لمن يريد أن يترك ناقته سائبة توكلاً على حفظ الله (اعقلها وتوكل…) أي ابذل وسعك أولاً فثبتها في عقالها ثم توكل والدين صحو وانتباه ويقظة ومحاسبة للنفس ومراقبة للضمير في كل فعل وفي كل كلمة وكل خاطر وليس هذا حال آكل الأفيون.
إنما آكل الافيون الحقيقي هو المادي الذي ينكر الذين هرباً من تبعاته ومسؤولياته ويتصور أن لحظته ملكه وانه لا حسيب ولا رقيب ولا بعث بعد الموت فيفعل ما يخطر على باله. وأين هذا الرجل من المتدين المسلم الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن سابع جار.. وإذا جاع فرد في أمته أو ضربت دابة عاتب نفسه بأنه لم يقم بواجب الدين في عنقه وليس صحيحاً أن ديننا خرج من الأرض. من الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة وتثبيتاً لغنى الأغنياء وفقر الفقراء.
والعكس هو الصحيح.. فالإسلام جاء ثورة على الأغنياء والكانزين المال والمستغلين والظالمين. 

فأمر صراحةً بأن لا يكون المال دولة بين الأغنياء يحتكرونه ويتداولونه بينهم وإنَّما يكون حقَّاً للكل: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) [التوبة-34]. والإنفاق يبدأ من زكاةٍ إجباريةٍ 2.5 في المئة ثمَّ يتصاعد اختيارياً إلى كلِّ ما في الجيب؛ وكلِّ ما في اليد فلا تُبقي لنفسك إلَّا خبزك كفافك: ((وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)) [البقرة-219].
والعفو: هو كلُّ ما زاد عن الكفاف والحاجة، وبهذا جمع الإسلام بين التكليف الجبريِّ القانونيّ، والتكليف الاختياري القائم على الضمير، وهذا أكرم للإنسان من نزع أملاكه بالقهر والمصادرة، ووصل بالإنفاق إلى ما فوق التسعين في المئة دون إرهاق.
ولم يأت الإسلام ليثبِّت ظلم الظالمين بل جاء ثورةً صريحةً على كلِّ الظالمين، وجاء سيفاً وحرباً على رقاب الطواغيت والمستبدِّين.
أمَّا التهمة التي يسوقها المادِّيون بأنَّ الدِّين رجعيٌّ وطبَقيٌّ بدليل الآيات :((وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ)) [النحل-71].   ((وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)) [الزخرف-32].

فنحن نردُّ بأنَّ هذه الآيات تنطبق على لندن وباريس وبرلين وموسكو بمثل ما تنطبق على القاهرة ودمشق وجدَّة، وإذا مشينا في شوارع موسكو فسوف نجد من يسير على رجليه، ومن يركب (بسكليت)، ومن يركب عربة موسكو فتش، ومن يركب عربة زيم فاخرة، وماذا يكون هذا إلَّا التفاضل في الرزق بعينه، والدرجات والرتب الاقتصادية. والتفاوت بين الناس حقيقةٌ جوهريةٌ، ولم تستطع الشيوعية أن تُلغي التفاوت، ولم يقُل حتَّى غُلاة المادية والفوضوية بالمساواة، والمساواة غير ممكنة؛ فكيف نساوي بين غير متساويين.
الناس يُولدون من لحظة الميلاد غير متساوين في الذكاء، والقوَّة، والجمال، والمواهب، يولدون على درجاتٍ في كلِّ شيءٍ.
وأقصى ما طمعت فيه المذاهب الاقتصادية هي المساواة في الفُرَص. وليست المساواة بين الناس أن يلقى كلُّ واحدٍ نفس الفرصة في التعليم والعلاج، والحدِّ الأدنى للمعيشة، وهو نفس ما تحضُّ عليه الأديان، أمَّا إلغاء الدرجات، وإلغاء التفاوت فهو الظلم بعينه، والأمر الذي يُنافي الطبيعة، والطبيعة تقوم كلُّها على أساس التفاضل، والتفاوُت، والتنوُّع في ثمار الأرض، وفي البهائم، وفي الناس .

في القطن: نجد طويل التِّيلة، وقصير التِّيلة، وجيزة7، وسكلاريدس، وفولي جود فير.
في البلح: مجد الزغلول، والسماتي، والحياني،
وفي العنب: تجد البناتي، والفيومي، والأزمرلي،
وفي الحيوان والإنسان نجد الرُّتَب والدرجات والتفاوت أكثر.

هذا هو قانون الوجود كلّه التفاضل، وحكمة هذا القانون واضحةٌ؛ فلو كان جميع الناس يولدون لما كان هناك داعٍ لخلقةٍ واحدةٍ وقالبٍ واحدٍ، ونسخةٍ واحدةٍ لميلادهم أصلاً، وكان يكفي أن تأتي نسخةٌ واحدةٌ فتغني عن الكلِّ، وكذلك الحال في كلِّ شيء، ولانتهى الأمر إلى فقر الطبيعة وإفلاسها، وإنَّما غِنى الطبيعة وخصبُها لا يظهر إلَّا بالتنويع في ثمارها وغلَّاتها، والتفاوت في ثمارها،
ومع ذلك فالدِّين لم يسكت على هذا التفاوت بين الأغنياء والفقراء بل أمَر بتصحيح الأوضاع، وجعل للفقير نصيباً في مال الغني، وقال: إنَّ هذا التفاوُت فتنةٌ وامتحان: ((وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ)) [الفرقان-20].
سوف نرى ماذا يفعل القوي بقوَّته، هل يُنجد بها الضعفاء؛ أم يضرب ويقتل ويكون جبَّاراً في الأرض، وسوف نرى ماذا يفعل الغنيُّ بغناه؛ هل يطغى ويُسرف؛ أم يعطف ويُحسن؟ وسوف نرى ماذا يفعل الفقير بفقره، هل يحسد ويحقد ويسرق ويختلس… أم يعمل ويكدُّ ويجتهد ليرفع مستوى معيشته بالشرع والعدل؟

وقد أمر الدِّين بالعدل، وبتصحيح الأوضاع، وبالمساواة بين الفرص، وهدَّد بعذاب الآخرة، وقال بأنَّ الآخرة ستكون أيضاً درجات أكثر تفاوُتاً لتصحيح ما لم يجر تصحيحه في الأرض: ((وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)) [الإسراء-21].
وللَّذين يتَّهمون الإسلام بالرجعية السياسية، ونقول أنَّ الإسلام أتى بأكثر الشرائع تقدُّميَّة في نظم الحكم، واحترام الفرد في الإسلام بلغ الذروة، وسبق ميثاق حقوق الإنسان وتفوَّق عليه، فماذا يساوي الفرد الواحد في الإسلام؟ إنَّه يُساوي الإنسانية كلَّها:
((مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)) [المائدة-32].
لا تُغني المنجزات، ولا الإصلاحات المادّية، ولا التعمير، ولا السدود، ولا المصانع إذا قتل الحاكم فرداً واحداً ظُلماً في سبيل هذا الإصلاح، فإنَّه يكون قد قتل الناس جميعاً. ذروةٌ في احترام الفرد لم يصل إليها مذهبٌ سياسيٌّ قديمٌ أو جديد، فالفرد في الإسلام له قيمةٌ مطلقةٌ بينما في كلِّ المذاهب السياسية له قيمةٌ نسبية،

والفرد في الإسلام آمِنٌ في بيته، وفي أسراره، ولا تجسُّس، ولا غيبة، آمِنٌ في ماله ورزقه وملكيَّته وحرِّيَّته، وكلِّ شيء، حتَّى التحية، حتَّى إفساح المجلس، حتَّى الكلمة الطيبة لها مكانٌ في القرآن، وقد نهى القرآن عن التجبُّر والطغيان والانفراد بالحكم.

وقال الله للنَّبيِّ وهو من هو في كماله وصلاحيَّاته: ((وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ)) [ق-45]، ((فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)) [الغاشية-21]. ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات-10]، ونهى عن عبادة الحاكم، وتأليهِ العظيم: ((وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّه))  [آل عمران-64]، ((وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)) [الإسراء-23].

ونهى عن الغوغائية، وتملُّق الدهماء والسوقة، والجري وراء الأغلبية المضلِّلة، وقال: ((وَلَكنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) [يوسف-40]، ((بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)) [العنكبوت-63]، ((ولكنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)) [غافر-59]، ((إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) [الأنعام-116]، ((إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)) [الفرقان-44]. ونهى عن العنصرية والعرقية: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات-13]، ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ))  [الأعراف-189]. وبالمعنى العلمي؛ كان الإسلام تركيباً جدلياً جامعاً بين مادِّية اليهودية وروحانية المسيحية، بين العدل الصارم الجاف الذي يقول: السنُّ بالسنِّ والعين بالعين، وبين المحبَّة والتسامح المتطرِّف الذي يقول: من ضربك على خدِّك الأيمن فأدر له الأيسر .
وجاء القرآن وسطاً بين التوراة التي حُرِّفت حتَّى أصبحت كتاباً مادِّياً ليس فيه حرفٌ واحدٌ عن الآخرة، وبين الإنجيل الذي مال إلى رهبانيةٍ تامَّة، ونادى القرآن بناموس الرحمة الجامع بين العدل والمحبَّة؛ فقال بشرعية الدفاع عن النفس، ولكنَّه فضَّل العفو والصفح والمغفرة: ((وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)) [الشورى-43]. وإذا كانت الرأسمالية أطلقت للفرد حرية الكسب إلى درجة استغلال الآخرين، وإذا كانت الشيوعية سحقت هذه الحرية تماماً؛ فإنَّ الإسلام قدَّم الحل الوسط:

((لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ))  [النساء-32]. الفرد حرٌّ في الكسب ولكن ليس له أن يأخذ ثمرة أرباحه كلَّها؛ وإنَّما له فيها نصيب، وللفقير نصيبٌ يؤخذ زكاةً وإنفاقاً 2.5 بالمئة جبراً لا اختياراً، وهذا النصيب ليس تصدُّقاً وتفضُّلاً وإنَّما هو حقُّ الله تعالى في الربح، وبهذه المعادلة الجميلة حفظ الإسلام للفرد حُرِّيته وللفقير حقَّه، ولهذا أصاب القرآن كلَّ الصواب حين خاطب أُمَّة الإسلام قائلاً: ((كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)) [البقرة-143] .فقد اختار الإسلام الوسط العدل في كلِّ شيء، وهو ليس الوسط الحسابي وإنَّما الوسط الجدليَّ أو التركيب الذي يجمع النقيضين (اليمين واليسار) ويتجاوزهما ويزيد عليهما، ولذلك ليس في الإسلام يمينٌ ويسار وإنَّما فيه: صراط الاعتدال الوسط الذي نسمِّيه الصراط المستقيم، ومن خرج عنه باليمين أو اليسار فقد انحرف، ولم يقيِّدنا القرآن بدستورٍ سياسيٍّ محدَّدٍ أو منهج مفصَّل للحكم لعلم الله بأنَّ الظروف تتغيَّر بما يقتضي الاجتهاد في وضع دساتير متغيِّرة في الأزمنة المتغيِّرة، وحتَّى يكون الباب مفتوحاً أمام المسلمين للأخذ والعطاء من المعارف المتاحة في كلِّ عصرٍ دون انغلاقٍ على دستورٍ بعينه؛ ولهذا اكتفى القرآن بهذه التوصيات السياسيَّة العامَّة السالفة کخصائص للحكم الأمثل؛ ولم يكبِّلنا بنظرية، وهذا سرٌّ من أسرار إعجازه وتفوُّقه؛ وليس فقرٌ ولا نقصٌ فيه، وتلك لمسةٌ أُخرى من تقدُّمية القرآن التي سبقت على التقدُّميات. ونردُّ على القائلين بأنَّ الدِّين جمودٌ وتحجُّرٌ بأن الإسلام لم يكن أبداً دين تجمُّدٍ وتحجُّر وإنَّما كان دائماً وأبداً دين نظرٍ، وفكرٍ، وتطويرٍ، وتغييرٍ بدليل آياته الصريحة: ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)) [العنكبوت-20]، ((فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)) [الطارق-7]،
((أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)) [الغاشية-9]، أوامر صريحةٌ بالنظر في خلق الإنسان، وفي خلق الحيوان، وفي خلق الجبال، وفي طبقات الأرض، وفي السماء وأفلاكها، وهي نظراتٌ تضمُّ كلَّ ما نعنيه الآن بعلم الجيولوجيا، والفلك، والتشريح، والفسيولوجيا، والبيولوجيا، وعلم الأجنّة، أوامر صريحةٌ بالسير في الأرض، وجمع الشواهد، واستنباط الأحكام والقوانين، ومعرفة كيف بدأ الخلق، وهو ما نعرِّفه الآن بعلوم التطوّر. ولا خوف من الخطأ فالإسلام يكافئ الذي يجتهد ويخطئ بأجر، والذي يجتهد ويصيب بأجرين.

. وليس صحيحاً ما يقال من أنَّنا تخلَّفنا بالدِّين وتقدَّم الغرب بالإلحاد، والحقُّ أنَّنا تخلَّفنا حينما هجرنا أوامر ديننا، وحينما كان المسلمون يأتمرون بهذه الآيات حقَّاً كان هناك تقدُّمٌ، وكانت هناك دولةٌ من المحيط الى الخليج، وعلماء مثل ابن سينا في الطبِّ، وابن رشد في الفلسفة، وابن الهيثم في الرياضيات، وابن النفيس في التشريح، وجابر بن حيَّان في الكيمياء، وكانت الدنيا تأخذ عنَّا علومنا.

وما زالت مجمعات النجوم وأبراجها تحتفظ إلى الآن بأسمائها العربية في المعاجم الأوروبية، ومازالوا يسمُّون جهاز التقطير بالفرنسية imbique  ومنه الفعل من كلمة أمبيق العربية   imbiquer، ولم يتقدَّم الغرب بالإلحاد بل بالعلم، وإنَّما وقع الخلط عمَّا حدث في العصور الوسطى من طُغيان الكنيسة ومحاكم التفتيش وحجرِها على العلم والعلماء، وما حدث من سجن غاليليو، وحرق جيوردانو برونو حينما حكمت الكنيسة وانحرف بها البابوات عن أهدافها النبيلة فكانت عنصر تأخُّرٍ فتصوَّر النُّقَّاد السطحيون أنَّ هذا ينسحب أيضاً على الإسلام وهو خطأ، فالإسلام ليس فيه بابوية ولا كهنوت، والله لم يُقِم بينه وبين المسلمين أوصياء ولا وسطاء، وحينما حكم الإسلام بالفعل كان عنصرَ تقدُّمٍ كما شرحنا وكما يقول التاريخ مكذِّباً هذه المزاعم السطحية.

وآيات القرآن الصريحة تحضُّ على العلم، وتأمر بالعلم، ولا تُقيم بين العلم والدين أيَّ تناقض :((وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً))  [طه-114]، ((هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)) [الزمر-9]، ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ)) [آل عمران-18]. جعل الله الملائكة وأولي العلم في الآية مقترنين بشرف اسمه ونسبته، وأوَّل آيةٍ في القرآن وأوَّل كلمةٍ كانت (اقرأ)، والعلماء في القرآن موعودون بأرفع الدرجات: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادلة-11].
وتتكرَّر كلمة العلم ومشتقَّاته في القرآن ثمانمئة وخمسين مرَّة، فكيف يتكلَّم بعد هذا متكلِّمٌ عن تناقضٍ بين الدِّين والعلم؛ أو حجْرٍ
من الدِّين على العلم. والنظر في الدِّين وتطوير فهمه مطلوب،

وتاريخ الإسلام كلُّه حركاتٌ وتطوير، والقرآن بريءٌ من تهمة التحجير على الناس، وكلُّ شيءٍ في ديننا يقبل التطوير ما عدا جوهر العقيدة، وصلب الشريعة لأنَّ الله واحدٌ؛ ولن يتطوَّر إلى اثنين أو ثلاثة وهذا أمرٌ مطلق، وكذلك الشرُّ شرٌّ، والخير خيرٌ ولن يُصبح القتل فضيلةً، ولا السرقة حسنة، ولا الكذب حليةً يتحلَّى بها الصالحون . وفيما عدا ذلك فالدِّين مفتوحٌ للفكر والاجتهاد والإضافة والتطوير .وجوهر الإسلام عقلانيٌّ منطقيٌّ يقبل الجدل والحوار ويحضُّ على استخدام العقل والمنطق وفي أكثر من مكانٍ وفي أكثر من صفحةٍ في القرآن تعثر على التساؤل: ((أَفَلَا يَعْقِلُونَ))، ((أَفَلَا يَفْقَهُونَ)).
وأهل الدِّين عندنا هم أولو الألباب: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)) [الأنفال-22]، ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا))  [الحج-46]. فاحترام العقل في لبِّ وصميم الديانة، والإيجابية عصبُها، والثورة روحها.

لم يكن الإسلام أبداً خانعاً ولا سلبياً: ((وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)) [البقرة-190]، ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ)) [الصف-4]، والجهاد بالنفس والمال والأولاد، والقتال والثبات وعدم النكوص على الأعقاب، ومواجهة اليأس والمصابرة والمرابطة في صلب ديننا .فكيف يمكن لدينٍ بهذه المرونة، والعقلانية، والعلمية، والإيجابية، والثورة أن يُتَّهم بالتحجُّر والجمود إلَّا من صديقٍ عزيزٍ مثل الدكتور القادم من فرنسا لا يعرف من أوَّليات دينه شيئاً، ولم يقرأ في قرآنه حرفاً.

الصوفية والسلفية

مع رجالات حوار -الشيخ الشعراوي-
مع رجالات حوار -الشيخ الشعراوي-

الصوفية والسلفية

Loading

رحمته في الجهاد

س: هل هناك خلافٌ حقيقيٌّ بين الصوفية والسلفية في نظركم؟
ج: وجود خلافٍ بين الصوفيَّة والسلفية ناشئٌ عن خطأ في فهم السلفيَّة والصوفية، ولو أنصف الفهم في كليهما لما وُجِدَ خلافٌ أبداً. فالصوفية أخذت لوناً من السلوك المنظَّم بطرق، والمرسوم بمشايخ، والمؤكَّد بوراثات، والسلفية أخذت الوقوف عندما كان في عصر النَّبيِّ بدون فارقٍ بين أمرٍ يتغيَّر وأمرٍ لا يتغيَّر. فهل كان يُرضينا أن نفهم علَّةً لتحريم الراديو، أو التلفزيون، أو التليفون؟ وهل يُرضينا أن يرث الطريق إلى الله صبيٌّ لم يبلغ الحلم؟
فالسلفية لو فُهمت على أصلها، والصوفية لو فُهمت على أصلها لما وُجِدَ خلاف، لأنَّ الصوفية بمعناها الحقّ هي: الورع في تطبيق الدين تطبيقاً يشمل حتَّى المندوبات والسُّنَن لتكون مُلزمات، وكلُّ ذلك بعد سلامة ما افترض الله من عباداتٍ، وأدائها على الوجه المطلوب، لا تخرج بشحٍّ ولا تُرَّهات، وبذلك يصدق في المؤمن قوله تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)) [سورة الشمس-الآية 9].

والهوَّة السحيقة التي يُوجدها خصوم الإسلام، وغير الفاهمين أن
يعتبروا الصوفية عِلماً وفلسفة، وهي في الواقع ليست إلَّا مجاهدة النفس
للوصول إلى صفاء الروح، وهذا لا يُنكره سلفيّ.
وما الفلسفة إلَّا الوقوف في الحكم موقفاً ملتزماً، وفى المجتهد فيه موقفاً إن رجح فيه رأيٌ يُجرح رأيٌ آخر. 

الرسالة الخاتمة

مع رجالات حوار -الشيخ الشعراوي-
مع رجالات حوار -الشيخ الشعراوي-

الرسالة الخاتمة

Loading

الرسالة الخاتمة

سؤال: كانت الرسالة المحمدية خاتمة للرسلات، فلماذا كانت هي الخاتمة؟ وما موضعها بين موجات التقدم الفكري الحديث؟

الجواب: انتهت الرسلات برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكان الرسول الخاتم، الذي لا استدراك للسماء بعد ذلك على رسالته أبدا. . ولماذا كان هو الخاتم؟

لأن الرسل السابقين إنما جاءوا على فترة من الحياة في فطرة الكون، وفطرة الحركة في الكون، فطرة تقرب الإنسان من السكون. .
والناس قديماً كانوا يذهبون إلى العين – مثلا – فلا يجدون الماء، فيرفعون أكفهم إلى السماء ضراعة إلى الله أن تمطر السماء، لأنه لا وسائط بين شربهم وبين مطر السماء .
فلما كثرت الوسائط، وأصبحت هناك صهاريج، وأصبحت هناك آلات لرفع الماء في الصهاريج، وأصبحت هناك آلات تضخ الماء في الأنابيب، وأصبحت كل هذه المسائل ؛ وجدت وسائط كثيرة بين النعمة في أصلها الفطري من المطر وبين المنعم عليه في نعمته الحضارية.

فإذا انقطع الماء من الصنبور فإنك لا تفكر في السماء، ولكن تقول:
أطلب وابور المياه أو أقفل الخط الفلاني، أو غير ذلك من المتطلبات، إلى أن يقول أخيراً: إن الآبار التي عليها الآلات لا تخرج ماء، لأنها قد جفت .
حينئذ يلتفت الناس إلى السماء ويسألون الله أن يطمرهم.

إذن فوسائل البشر في الارتقاء قد تعطيهم لونا من الغرور بفكرهم. ولوناً من الغرور باستعلائهم، فيبتعدون عن أصل النعمة السماء، فكلما تقدم الزمن وتقدم العصر، وابتكرت العقول كان من الممكن أن يستعلى الإنسان. بعقله وفكره. ويظن أن له استغناء ..

إذن فلابد أن تكون الرسالة التي جاءت على عهد ارتقاء الحياة رسالة ملفته لفتاً قسرياً إلى الحق تتخطى حواجز الغرور العقلي كله، وتعطى الإنسان عطاء يخرجه من هذه المادية المطغية إلى الأصل الأصيل في واهب الأشياء .

رحمته في الجهاد

فكأن الإسلام الذى يتمثل في القرآن هو المنهج الذي يعطى كل منهج تساؤلات الوجود كلما ارتقى الفكر الإنساني في شيء أعطاه القرآن عطاء يدفع عنه أي ارتياب يؤدى إليه غرور العقل، وصلف الابتكار.

لذلك كان الإسلام في منهج القرآن متمثلا في أمرين :

أولهما : أمر يتمثل في كونية الحياة .
ثانيهما : أمر يتمثل في افعل» و «ولا تفعل».

فالأمر الذى يتمثل في افعل ولا تفعل لم يتغير أبداً، وليس لعقل أن يزيد فيه، وليس لعقل أن يبتكر ويجتهد فيه، لأنه حكم تكليفي، والناس فيه سواء من لدن، إلى أن تقوم الساعة.
فليس من المعقول أن يوجد بعد عصر محمد صلى الله عليه وسلم، افعل كذا بأمر جديد، أو لا تفعل كذا بنهى جديد أي إن كل أمر وكل نهى إنما جاء من لون محمد صلى الله عليه وسلم ، وسيظل كذلك إلى أن تقوم الساعة. أما الذي يمكن أن يتغير فهو عطاء الكونيات في الأرض. العطاء الذي إن تنبهت إليه أخذت نفعا، وإن لم تنتبه له لم يضرك في التكليف شيئاً.

فهب أنك لم تبتكر الكهرباء، وأنك لم تبتكر الطائرة، وأنك لم تبتكر الصاروخ، ما الذي أثر في حركة حياتك بـ «افعل» و «لا تفعل»؟ إن وصلت إليه انتفعت، به وإن لم تصل إليه لم يضرك شيء.
فكل الجديد لا يأتي في التكليف افعل كذا ولا تعل كذا. .
فالذين يحاولون أن يجعلوا لكل عصر افعل ولكل. عصر لا تفعل نقول لهم: أحلتم على الله، لأن افعل من الله لا تتغير، ولا تفعل لا تتغير.
فمن حاول أن يجعل افعل من الله في مقابل لا تفعل من البشر أو لا تفعل من البشر في مقابل افعل من الله، نقول لهم: إنكم أشركتم بالله.. ابحثوا بعقولكم في كونيات الحياة واستنبطوا من الحياة ما شاتم، لكن لا تعلموا بدينكم لتقولوا افعل كذا، ولا تفعل كذا.
فالله لا يتعلم كيف يكلفنا، ولا يستدرك عليه كيف يكلفنا.
فمن لم يطق افعل من الله في نفسه، ومن لم يتحمل لا تفعل من في نفسه فعلية أن يتقى الله ولا يتحمل وزر افعل ولا تفعل في سواه.

لماذا حورب؟

لماذا حُورب؟

Loading

لماذا حورب

كان لدى المشركين أكثرُ من سببٍ لعداوة الإسلام، والتجهُّم لرسالته، ومخاصمة أتباعه. ولسنا نظنُّ الاقتناع بصلاحية الوثنية والاطمئنان إلى ما فيها من جهالةٍ وخرافة أحدَ هذه الأسباب، بل إنَّنا نستبعد ذلك من رجالٍ اشتغلوا بشؤون التجارة، وطوَّفوا في آفاق الدنيا، واستعرضوا الآراء والأفكار، وقاموا برحلاتٍ عظيمة الأثر في رفع المستوى العقلي… ثمَّ استمعوا بعد ذلك لمحاجَّة القرآن وأسلوبه الناصع في عرض الدعوة وبسط آياتها…

أترى أولئك النفر من قادة قريش وساستها كانوا يتعصَّبون للأصنام ضدَّ الإسلام عن فقهٍ واعتقاد؟

إنَّ سرَّ التكذيب والخصومة أبعد من ذلك، إنَّ التعصُّب لهذه الحجارة المعبودة لم يكن إلَّا ستاراً للحرص على المنافع المبذولة في ظلِّها، والشهوات المنطلقة برضاها، والسيادة المقرونة باسمها.

إنَّ حرص أصحاب الأوضاع القائمة على ما يستفيدون منه، ويرون ضياعه ضياع مجدهم وسقوط منزلتهم. والدعوة إلى الإسلام لم تكن دعوةً لهدم الأصنام فقط، بل لهدم الرجال الذين ربطوا كبرياءهم ومصالحهم ببقائها، وهاجت في نفوسهم مشاعر الحقد والغطرسة ضدَّ من يُهاجمها، ونظروا إلى الدعوة الجديدة ورجالها من زاويةٍ خاصَّةٍ! زاوية المنافسة والاستكثار والاستنكار… وانظر إلى هؤلاء المشركين يكشفون عن عواطفهم الدفينة وأسباب تكذيبهم لصاحب الرسالة العظيم فيصيحون: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا… [سورة القصص الآية 57].

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [سورة الزخرف الآية 31].

﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ.. [سورة الأنعام الآية 124].

﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ [سورة ص رقم ٨].

ماذا ترى في هذا التساؤل والاعتراض.

ألست تسمع فيه صراخ الهوى والأثرة ضدَّ الحقِّ المبين، لا لشيءٍ في هذا الحقّ غير الحسد لمن جاء به، والشعور بأنَّ انتصار الحقِّ سوف يقوِّض دولة الظلم، ويزلزل عظماءها، ويتخطَّفهم من أرضهم، ويمحو كافَّة ما لهم من امتيازاتٍ باطلة؟

ذاك سرُّ كراهية الجبَّارين والطغاة للإسلام ودعوته الجليلة في كلِّ زمانٍ ومكان. إنَّ فرعون لما تواقح على موسى، وألَّب حاشيته ضدَّ رسل الله لم يكن يعلم من نفسه أنَّه إله، وما كان أتباعه يحسبون أنفسهم عبيدَه الذين خلقهم من عدم… إنَّه الكبر والاستعلاء.

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [سورة النمل الآية ١٤].

وإنَّه ليستنهض الهمم في مقاتلة عباد الله بهذا الأسلوب العاتي المغرور:

﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ(56) [سورة الشعراء الآية ٥٣ حتى ٥٦].

أترى في هذا الأمر الفرعوني غلَّ السفه والجبروت؟!

أترى فيه أثارةً لعقلٍ أو بحقّ…؟ كلّا.

رحمته في الجهاد

في هذا الطريق الجائر مشت العلاقة بين رسل الله إلى الناس، وبين حرَّاس الضلالة والفوضى بين الناس. ما إن يدور النقاش على هذا النحو الذي رأيت حتَّى يضيق المبطلون بما يسمعون، ثمَّ يبدأ النفي والاضطهاد، وتبدأ الهجرة والفرار.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ(14) [سورة إبراهيم الآية 13 و 14]

إنَّ الخبراء بأحوال المجتمعات الفاسدة يعرفون بفطرتهم ما سيلقاه مصلحوها من عناء. وقد كان ورقة بن نوفل صادق الحدس عندما قدَّر أنَّ مكَّة سوف تتمرَّد على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتأبى مقامه فيها، وجاش في نفسه حبُّ النجدة والانتصار للحقِّ المستضعف، فقال: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك. فتساءل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، دهشاً:

(أوَ مُخرجيَّ هم…؟!) إنَّه تساؤل الرجل الشريف، البعيد عن خواطر الشرِّ ووساوس السوء، لا يمرُّ بفؤاده السمح ظلٌّ للعدوان فهو لا يفترضه في غيره! ثمَّ هو بأمانته ومروءته وطيد المنزلة بين الناس، فما الذي يؤلِّب الناس عليه ويحملهم على إخراجه؟

بيد أنَّ ورقة يؤكِّد ما يقول: (ما أتى رجلٌ قومَه بمثل ما جئت به إلَّا أخرجوه، ولئن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً).

وقد حدث ما توقَّعه ورقة، بل تمخَّضت الأحداث عن عدوانٍ أشدّ. فلم يخرج الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فقط، بل وضعت الجوائز المغرية لمن يأتي به حيَّاً أو ميتاً بعد ما أخفقت المؤامرة المبيتة على سفك دمه!

إنَّ كبرياء السادة، وملق الأتباع يضع أمام المصلحين عقباتٍ جِساماً دون تحطيمها جهاد وجلاد، وينبغي أن يتهيَّؤوا لذلك حتَّى لا تروعهم المفاجأة، وما أحسن قول المتنبِّي:

عرفنا الليالي قبلَ ما صنعت بنا              فلمَّا دَهَتنا لم تزِدْنا بها علما

إنَّ العداوة بين التوحيد والشرك بدأت عنيفةً جدَّاً، برغم أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم حاول جاهداً أن يلطِّف من حدَّتها، وأن يتجنَّب مضاعفاتها، وأن يضفي من فضله ونبله على ما حوله، فهو يصلُ مَن قَطعَه، ويُعطي من حرمه، ويعفو عمَّن ظلمه، ويُصابر السفهاء، ويلين للمشاغبين.

لكنَّ ذلك كلَّه لم يجد فتيلاً مع من اتَّخذ إلهه هواه…!

وهكذا أثبت تاريخ (العنهجية الوثنية) أنَّ ترويضها مستحيل، وأن تلطُّف الأنبياء معها لم يزدها إلَّا ضراوة، وأنَّ وحشيتها لا علاج لها إلَّا تقليم الأظافر وتحطيم الأنياب، وأنَّها لو استطاعت سفك الدم الحرام قتلت، ولو استطاعت كبت الحريَّات فعلت، لا يُثنيها شيء أبداً. والعداوة الأزلية الأبدية بين المحقِّين والمبطلين ليست ممَّا يأسف الإنسان له أو يستوحش منه مادام يحمل عليها حملاً.

بل لقد كان الرجال أصحاب المبادئ يفخرون بها ويرونها آية الصدق والاستقامة. 

لا تنازعوا فتفشلوا

مع رجالات حوار -الشيخ الشعراوي-
مع رجالات حوار -الشيخ الشعراوي-

لا تنازعوا فتفلشوا

Loading

لا تنازعوا فتفشلوا

س: منذ زمنٍ طويلٍ وأعاصير النزاع تهبُّ على العالم الإسلامي… فلا نجد عصراً إلَّا وهناك مِن أبناء الإسلام من يتقاتل بالسلاح… أو يتراشق بالاتهامات… حتَّى وصل الحال إلى أن استعان بعض أدعياء من حكَّام الدولة الإسلامية على إخوانهم المسلمين بأعداء الإسلام من الملحدين الكافرين، ثمَّ لا نرى من بقية الحكام المسلمين إلَّا برقيات الاستنكار… فما أبعاد هذه المشكلة الخطيرة؟

ج: الذي جعل المسلمين يختلفون هو السلطة الزمنية… كلُّ واحدٍ يريد لنفسه ولأمَّته سلطةً زمنيةً، ومادام كلُّ واحدٍ يريد ذلك فلا خير في الحياة… لا خير في الحياة إن لم تنزع هذه الإرادة… نقول لهم: دعوا السلطة الزمنية، وحكِّموا شيئاً واحداً هو الذي لا يتغيَّر من الأشياء، ألا وهو منهج الله سبحانه وتعالى… وإذا كان بيننا وبين بعضنا خلافاتٌ فيجب أن يوجد بيننا قومٌ بمنأى عن هذه الخلافات ليتدخَّلوا في الأمر.

انظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا[الحجرات-9]، الإيمان لا يحرِّم أن تختلف طائفتان من المؤمنين، ولكنَّ واجب الأمة أن يكون فيها من يصلح بين المختلفين… من هم الذين يصلحون؟ وعلى أيِّ أساسٍ يُصلحون؟

الذين يصلحون هم المؤمنون… وعلى أساس منهج الله… لماذا منهج الله؟

رحمته في الجهاد

لأنَّ المصلح قد يتدخَّل بهوىً، فتصبح الأهواء ثلاثة: هوى كلِّ طائفةٍ من الطائفتين، وهوى المصلح، ونحن نريد أن نقلِّل الأهواء، لا أن نزيدها بعداً… بل إنَّ الواجب أن نجعل الأهواء المختلفة هوىً واحداً… أمَّا أن أتدخَّل بهواي فقد زدَّت المعركة بُعداً ثالثاً.

يقول الله تعالى: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَ[النساء-35].

فإذا رأيت واحداً تدخَّل في أمرٍ ولم ينته إلى الصلح، فاعلم أنَّه لم يكن يريد الإصلاح… ولابدَّ أنَّ له هوىً ثالثاً.

وفي صدد الإصلاح يقول الله تعالى: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه[الحجرات-9] برجولة الإيمان قاتلوا التي تبغي… فإن فاءت إلى أمر الله فلا تتركوا الأمر على حاله… بل عاودوا الإصلاح… ﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[الحجرات-9]. عاودوا الإصلاح لإزالة أسباب النزاع.

والذي يحدث في العالم الإسلامي شيءٌ مؤسف… والأشد أسفاً أنَّنا لا نجد من المسلمين طائفةً تمثِّل الصلح… كنَّا نرجو أن توجد فئةٌ لا تنحاز إلى جهة، ولكن تمثِّل الوسط المصلح، لتتلقَّى أمر الحقِّ في أن تصلح ذات البين.