القراءة الحداثية ومناهجها في التعامل مع نصوص الوحي

الفكر الحداثي ونصوص الوحي
الفكر الحداثي ونصوص الوحي

القراءة الحداثية ومناهجها في التعامل مع نصوص الوحي

القراءة الحداثية ومناهجها في التعامل مع نصوص الوحي

انتشرت على الساحة الفكرية في العقود الأخيرة دعوى القراءة المعاصرة لنصوص الوحي (القرآن الكريم والسنة النبوية)، وهذه الدعوى في حقيقتها تشكِّل تجلّياً من تجلّيات الحداثة في الغرب، حيث استمدَّت مناهجها وجلَّ أفكارها من مفكِّري الغرب من فلاسفةٍ ومستشرقين، فكثيرٌ ممَّا يدور اليوم في الساحة الفكرية من قضايا سبق وأن طرحته القراءة الغربية لنصوص الوحي، وإنَّ المتتبِّع للدراسات الاستشراقية يدرك هذه الحقيقة.

تحاول هذه القراءة تأسيس فهمٍ جديدٍ للقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، وذلك بإحداث قطيعةٍ معرفيةٍ ومنهجيةٍ مع أصول التفسير وطرقه وقواعده، ومع علوم القرآن ومصطلح الحديث وقواعده، محاولةً إخضاع كلِّ ذلك لمناهج مستجدَّةٍ بعيدةٍ كلَّ البعد عن الثوابت، ومنها الآتي:

أولاً: التاريخية:

وهي طريقةٌ في التفكير تضفي النسبية الزمنية على الحقيقة، وتربطها بتاريخها وزمنها، رافضةً أن تكون للحقائق أيَّةُ عمومية أو ديمومة أو إطلاق، معمِّمةً هذا الحكم على كلِّ ألوان الحقائق بما فيها الدينية، فالتاريخ هو من يحدِّد الحقيقة، والمعرفة الحقيقية هي التي تخضع للظروف التاريخية.

وهذا بالضرورة يعني القول بتاريخية النص القرآني، وأنَّه خاصٌّ بحقبةٍ زمنيةٍ معيَّنةٍ وبيئةٍ اجتماعيةٍ خاصَّةٍ، فهو خطابٌ متعلِّقٌ بتلك المرحلة وغير ملزم لما بعدها؛ لأنَّ مفاهيم الألفاظ تتغيَّر بتغيُّر الظروف، وبالتالي لابدَّ من إخضاعها لهذا الواقع المتغيِّر حتَّى تتناسب مع متطلَّباته، وهذا التصوُّر نتج عنه اعتبار القرآن الكريم منتجاً ثقافياً إنسانياً يعبِّر عن لغة الإنسان وثقافته، لأنَّ الواقع والثقافة واللغة هي التي أنتجته، أي أنَّ النصَّ تابعٌ للواقع ومنبثقٌ عنه، وبالتالي فهو نصٌّ تاريخيٌّ كسائر النصوص البشرية التي تخضع في شكلها للواقع وتتغيَّر بتغيُّره.

ثانياً: التأويل أو الهيرمينوطيقا:

ويراد به في هذا المقام التأويل الذاتي غير الخاضع لأيِّ ضوابط أو قواعد، ولقد قامت هذه النظرة التأويلية على عدَّة أسس وُظِّفت لقراءة النصوص الدينية والأدبية، ومن أهمِّها:

  • تعدد القراءات المحتملة للنص، فلا وجود لقراءةٍ صحيحة للنصّ؛ لأنَّها قراءة قائمة على الشك من أجل الوصول إلى الحقيقة.
  • القول بموت المؤلف بحيث ينقضي دوره بكتابة النصّ، وتأتي مهمَّة القارئ في استنباط المعاني دون حاجةٍ للرجوع إلى المؤلف ومراده من وراء نصِّه.
  • إلغاء مقصدية النص، وهي نتيجةٌ حتميَّةٌ لموت المؤلِّف فوجوده يعني وجود المقصد، وموته هو إلغاء لهذا المقصد، وهذا سيفضي بالضرورة إلى انفتاح النصِّ أمام لا نهائية الدلالة.
  • التناص: يتألَّف النصُّ من مجموعة كتاباتٍ متعدِّدة الثقافات، فهو شبكةٌ من النصوص المتداخلة، فالمؤلِّف يتأثَّر في كتابته لنصه بنصوصٍ أخرى نشأت في بيئته، وحين يقرأ القارئ يستحضر نصوصاً أخرى تختلف عن بيئة المؤلف.

الفراغ: والمقصود به الكشف عن المعنى الذي لا تبوح به السطور، فهو ليس معنىً ظاهراً للنص؛ بل يستنبطه القارئ. 

وبناءً عليه فإنَّ التأويل الحداثي ينبني على التعدُّد، ويفترض الاتساع في اللفظ، وعلى فيض المعنى، لذلك من غير الممكن أن يكون التأويل نهائياً، فالنص لا يتوقَّف من كونه محلاً لتوليد المعاني واستنباط الدلالات، ولا يمكن لأحدٍ أن يقف على حقيقته، وبالتالي لا يمكن معرفة مراد النص ودلالته؛ لأنَّ المقصد هو ما يريده القارئ لا النصّ، فيصبح بذلك نصَّاً مفتوحاً لا يمكن الإلمام بحقيقته، لتعدُّد تفسيراته، ولا نهائية معانيه.

ثالثاً: الأنسنة:

تقوم الأنسنة على مبدأ الذاتية أو المركزية، أي أنَّ الإنسان هو مركز الأشياء ومحورها، وقد أخذت دوراً أساسياً في القراءة الحداثية للقرآن الكريم، وذلك بإخضاع النصّ لذاتية القارئ، فالحقيقة هي ما يريده القارئ لا النص، إذ لا وجود لمعرفةٍ مطلقةٍ أو متعالية، وبالتالي تقوم الأنسنة على تبرؤ الإنسان من أيِّ مرجعيةٍ مقدَّسة، فتجعل من الإنسان المرجع والمنتج للحقيقة.

 وهذا الموقف في حقيقته يقوم على الانتقال في الخطاب من المراد الإلهي من النص إلى المرادات الإنسانية.

لقد وقع رواد الفكر الحداثي في خللٍ منهجي بخروجهم عن الموضوعية عندما قاموا بمساواة الوحي الإلهي -النصوص القرآنية والحديثية- بالنصوص الأدبية ذلك لأنَّ هذه النصوص لها مناهجها في التفسير والتأويل، فهناك من النصوص ظاهرٌ لا يحتاج إلى تأويل، وهناك نصوص تحتمل عدَّة أوجهٍ من التأويل، وهي موضع اجتهاد في فهم النص وبيانه؛ وذلك يتأتَّى من خلال الأدلَّة التي تترجَّح عند المفسر وفق قواعد وضوابط لا لهوىً متَّبع.

ولعلَّ من أهمِّ التناقضات التي وقع فيها الفكر الحداثيُّ أنَّه بنى مشروعه في قراءته على استحالة استحضار الماضي بقوانينه المعرفية وقواعده المنهجية لقراءة الحاضر بحسب منطق التاريخية، ثمَّ يعود ليقرأ هو الماضي بقوانين وأدوات الحاضر المعرفية، وبناءً على هذه القاعدة لا يمكننا أن نُخضع النصَّ إلى مناهج معاصرة ما دمنا نرفض فهمه وتفسيره وفق القواعد المقررة. [آليات القراءة الحداثية، سجعي مريم].

يتَّضح من خلال ما سبق أنَّ القراءة الحداثية لنصوص القرآن الكريم والسنة جعلت التأويل هو الأصل وعمَّمته على جميع النصوص قطعيَّة الدلالة، وظنيَّة الدلالة، مع العلم أنَّ الأصل هو الأخذ بظواهر النصوص، بحيث لا يُلجأ إلى التأويل إلَّا عند الاستشكال. 

التطرف اللاديني غذاء يتقوى به التطرف الديني

التطرف اللاديني
التطرف اللاديني

التطرف اللاديني غذاء يتقوى به التطرف الديني

التطرف اللاديني غذاء يتقوى به التطرف الديني

يعتمد انتشار أيِّ فكرٍ متطرِّفٍ وازدياده على وجود فكرٍ أو مجموعة أفكارٍ متطرِّفةٍ مُعاكسةٍ له، فظهور التطرُّف الديني يزداد عند وجود تيَّاراتٍ متطرِّفةٍ لا دينية، بحيث يجعل الكثير من أبناء المجتمع المتأثِّرين بردَّة الفعل العاطفية يتبنَّون فكراً دينياً متطرِّفاً كردِّ فعلٍ على التطرُّف اللاديني، فالأفكار المتطرِّفة تفقد أحد أهمِّ أسباب قدرتها على الاستمرار إذا اختفت الأفكار المتطرِّفة المعاكسة لها.

لذلك فمن الضروري لأيِّ فكرٍ متطرِّفٍ دينيٍ وجود فكرٍ لا دينيٍّ متطرِّفٍ يُعطيه الشرعية، والدافع الوجدانيَّ لوجوده، وبهذا تبقى الوسطية عند الجميع هي الضمان لمواجهة الأفكار المتطرِّفة.

 ففي المجتمعات المتنوِّعة فكرياً، يحتاج الوسطيون إلى بعضهم على اختلافاتهم وتنوُّعهم لضمان استقرار المجتمع على المنهج الوسطي، كذلك يحتاج المتطرِّفون على اختلافاتهم وتنوعهم إلى بعضهم لترسيخ فكرة الخوف من الآخر التي يقتات عليها الفكر المتطرِّف لضمان قوَّته وتشريع وجوده.

يبدو هذا جلياً في أغلب المجتمعات التي ظهر فيها التطرُّف الدينيُّ، كالحالة الأفغانية، حيث تحوّلت أفغانستان سابقاً إلى قبلةٍ للتنظيمات الدينية المتطرِّفة، ومن ثمَّ حاضنةٍ لها، وذلك بسبب وجود تطرُّفٍ إلحاديٍّ في مرحلةٍ من مراحلها، مدعومٍ من الفكر الشيوعيّ المتطرّف في نظرته وعدائه للدين، بل إنَّنا نجد هذا جلياً في أغلب الجمهوريات ذات الغالبية المسلمة التي كانت تخضع للهيمنة السوفيتية في مرحلة تطرُّفها، حيث كانت تحارب أيَّ مظهرٍ من مظاهر الدين، وتمنع التعليم الديني، وتغلق المساجد، فكان من نتيجة هذا الأسلوب المتطرِّف في التعامل مع التدين أن أصبح أكثر تعداد الأفراد في التنظيمات المتطرفة التي نشأت فيما بعد قادماً من تلك الجمهوريات.

في دراسةٍ منشورة ([1]) عن أعداد مقاتلي ما يُسمّى التنظيمات المتطرّفة، والذي تنامى خلال فترة ما يُسمّى “الربيع العربي” يظهر أنَّ من الدول العربية الأكثر تصديراً لهؤلاء المقاتلين كانت تونس، وهذا الأمر من شأنه أن يثير الانتباه والتساؤلات، فجمهورية تونس قبل فترة إفرازات الأزمات المتلاحقة كانت تتبع سياسةً متشدِّدةً في التعامل مع الدين، مشابهةً إلى حدٍّ كبيرٍ لسياسة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، حيث لم تكتفِ بما يُسمّى “تجفيف المنابع” بل تمادت أكثر من ذلك إلى التطاول على الثوابت. ([2])

فوجد الفكر المتطرِّف الفرصة لتقديم نفسه إلى المجتمع بوصفه مدافعاً عن الدين ومنقذاً له، ولم يستطع المجتمع سماع الخطاب الديني الوسطي لعلوِّ صوت التطرُّف أمامه.

ولأنَّ المجتمعات الإسلامية مجتمعاتٌ عاطفيةٌ استطاع الفكر المتطرّف أن يجد لنفسه حاضنةً تدفعها عاطفة الخوف من الإقصاء والإلغاء وذلك عبر المساس بالثوابت والالتجاء نحو التطرّف المعاكس الذي يملك القدرة وطريقة الخطاب التي تلبّي خوفه.

ساهمت إجراءات التطرُّف اللاديني في تراجع  إقبال الناس على المساجد في كثيرٍ من الدول، وبالتالي ازدياد جهلهم بوسطية الدين وسماحته

وفي العراق، ورغم وجود نظامٍ علمانيٍّ يحكم البلاد لعقود إلَّا أنَّنا لم نر تنظيماتٍ متطرِّفة تخرج من أبنائه إلَّا بعد دخول التطرُّف الليبرالي الأمريكي الهمجي إلى العراق واحتلاله، وكذلك فعل التدخُّل الأمريكيُّ المتطرِّف في أفغانستان حيث ساهم في تعزيز وجود التطرُّف فيها وتنميته، فضلاً عن دعمه له.

   إذن يبقى التطرُّف دفيناً في أيِّ مجتمعٍ حتَّى يأتي تطرُّفٌ مُعاكسٌ له فيعطيه أسباب الظهور، وبقدر قوَّة التطرُّف اللاديني وسطوته فإنَّه سينتج تطرُّفاً دينياً أكثر قوَّةً وسطوةً أيضاً.

وأهمُّ سببٍ يعتمد عليه التطرُّف الدينيُّ في تبرير وجوده وتعزيز شرعيته هو مواجهة التطرُّف اللاديني بالاعتماد على استغلال العاطفة الدينية، والخوف من طمس الهوية.

يبقى التطرُّف دفيناً في أيِّ مجتمعٍ حتَّى يأتي تطرُّفٌ معاكسٌ له فيعطيه أسباب الظهور

وقد أثبتت التجارب أنَّ أنجح الوسائل لشلِّ قدرة التنظيمات المتطرِّفة دينياً على الانتشار والجذب يكون في أمرين:

1- منع أيِّ شكلٍ من أشكال التطرُّف اللاديني من الدخول أو التأثير في المجتمع، والحرص على الحفاظ على وسطية الطرح اللاديني في الإعلام، وعدم اجترائه على الثوابت.

2- تعزيز وجود الفكر الوسطي المعتدل المنبثق من الثوابت الدينية لا المصنوع في مراكز الأبحاث، ومؤسسات صناعة الرأي العام، حيث يُعتبر الأقدرَ على ردِّ شبهات التطرف وكسر هيمنة خطابه العاطفي.

ولعل مقولة الرئيس بشار الأسد: “هناك فئتان تتحدَّثان بالطائفية اليوم، الأولى تدّعي العلمانية والثانية تدّعي التديُّن، وكلاهما جاهلٌ بالدين، والجهل بالدين هو الذي يؤدي إلى الطائفية” كافيةٌ للدَّلالة على اقتيات التطرُّف الديني والتطرُّف اللاديني على بعضهما، واشتراكهما بالنتائج رغم تباعدهما بالأفكار.


[1]https://www.europarl.europa.eu/EPRS/EPRS-Briefing-579080-Foreign-fighters-rev-FINAL.pdf

[2]https://www.albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?ID=753

الحوار أصل في الشريعة الإسلامية

غلاف الحوار هو الأصل
الحوار هو الأصل

الحوار أصل في الشريعة الإسلامية

الحوار أصل في الشريعة الإسلامية

لما شاء الله تعالى أن يوصل رسالاته إلى البشر عبر الرُّسُل الكرام الذين اصطفاهم، وكرَّمهم، وأوحى إليهم؛ قضى لتلك الرسالات أن تصل بوسائل عديدةٍ أبرزها الحوار: ثمَّ ضبط ذلك بضوابط شتَّى تضمن سلامة الحوار؛ لسلامة وصول الرسالة من بابٍ أولى. فقد حاسب الإسلام أبناءه على ما تنطق به ألسنتهم: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيْبٌ عَتِيْدْ [ق18]. وحثَّهم على حُسن الكلام: ﴿وَقُوْلُوا لِلنَّاسِ حُسْنَاً[البقرة83]، ثمَّ أعلى قيمة الكلمة الحسنة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِيْنٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم24].

ليس الحوار في الإسلام مجرَّد مُجاملةٍ اجتماعيةٍ، ولا ترفاً فكرياً، أو نافلةً من القول، بل هو أساسٌ راسخٌ في إيصال حقائق الشريعة الإسلامية إلى العقول والقلوب: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رّبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالموْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ[النحل125]. فقد رسَّخ الإسلام مبادئه الأساسية سواءً في العقيدة والإيمان أو الفقه والأخلاق، أو غيرها من دقائق الدِّين على أساس الحوار، والنقاش، والإقناع بالحجَّة والبرهان؛ استناداً إلى موازين المنطق والعلم، بما لا يُخالف العقل السليم، والفطرة السويَّة الصافية، فيحذِّر الإسلام من اتِّباع أيِّ معتقدٍ إلَّا بناءً على بيِّنةٍ من الدليل العلميِّ المحايد، الصافي عن شوائب الأهواء الشخصية، والرغائب، والعصبيَّات النفسية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولَاً [الإسراء36]، وكان هذا هو الأساس الذي ينطلق منه الإسلام في حواره مع الناس، ويُطالبهم بعد ذلك أن يتحاكموا بمقتضاه.

منهج الحوار في الإسلام:

تتَّضح ملامح هذا الحوار وأُسسه فيما يعلِّمنا إيَّاه القرآن الكريم، والحديث النَّبويُّ. وأهمُّ هذه الملامح:

أوَّلاً: تحريض العقل وسوقه إلى الحقائق عن طريق الإقناع المنطقيّ، فانظر إلى حوار سيِّدنا إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [اﻷنعام 75 – 79]. 

ثانياً: البيان الواضح، وإزالة الأسباب التي تلبس الحقَّ بالباطل، بعيداً عن الإرغام والإجبار: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية22]، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَّيِّ[البقرة256].

ثالثاً: المنطق الذي لا يخالف البداهة: فإذا ما كانت المحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة، فلا يرفض الشرع الإسلاميُّ الحوار في أيِّ أمرٍ كان، لكنَّه يضبطه بضوابطه الصحيحة. فالحوار في الإسلام يفسح المجال أمام العقل غير المتعصِّب لهوىً، أو الأسير لنفسٍ أن يصل إلى جوهر الحقيقة بِيُسرٍ وسلاسةٍ، لأنَّه يسوقه بمنطقيةٍ لا تخالف ولو أبسط بدهيَّاته.

وانظر إلى ذلك في الحديث النبويِّ عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: ((إنَّ فتىً شابَّاً أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: ((ادنه))، فدنا منه قريباً، قال: فجلس، قال: ((أتحبُّه لأُمِّك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا النَّاس يحبُّونه لأُمَّهاتهم))، قال: ((أفتحبُّه لابنتك؟))، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا النَّاس يحبُّونه لبناتهم))، قال: ((أفتحبُّه لأختك))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا النَّاس يحبُّونه لأخواتهم))، قال: ((أفتحبُّه لعمَّتك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا النَّاس يحبُّونه لعمَّاتهم))، قال: ((أفتحبُّه لخالتك))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا النَّاس يحبُّونه لخالاتهم))، قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللهمَّ اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فَرْجَه))، فلم يكن بعد -ذلك الفتى- يلتفت إلى شيء. [رواه الإمام أحمد].

فلم يُمْلِ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الشابِّ الموعظة جامدةً جافَّةً إلَّا أن يجعل الحقَّ يخرج على لسانه هو بعد الإقناع والصبر، وتغزُر أمثلة ذلك في السيرة النبوية والقرآن الكريم.

وبهذا يعلِّم الإسلام أبناءَه أدب الحوار بطريقٍ غير مباشرة، فإذا ما تأدَّبوا بذلك الأدب كان كفيلاً أن يودي بمُحاوِرِهم إلى جادَّة الحقيقة، فالحوار هو السبيل الأمثل والأجدى في عرض الإسلام على من لا يعرفه أصلاً. وهو الأداة الفعَّالة في حلِّ الخلافات الفكرية إذا ما نشأت بين أبنائه، وهو من أفضل الوسائل لكسب العقول والقلوب في زمنٍ حادت فيه البشرية وتاهت عن الطريق إلى الله تعالى خالقها ومولاها.   

الإسلام والتطرف

الاسلام-والتطرف غلاف
الاسلام-والتطرف

الإسلام والتطرف

الإسلام والتطرف

لم يأتِ الإسلام بمثالياتٍ طوباوية لا يمكن لها أن تتحقَّق إلَّا في الخيالات، بل أتى بمنهجٍ قادرٍ على تحقيق التّوازن في الحياة البشرية الواقعيّة، فنجده في معارك الدفاع عن الثوابت والعقائد حاضراً بقوّةٍ تُرهب عدوَّ الله وعدوَّ الإنسانية، ونجدُه في وجدانيات الحبّ والتصوف، وأخلاقيات العفو والصفح حاضراً أيضاً وبنفس القوّة، ونجده في ميادين الفكر والعلم والرؤية المقاصدية الواعية حاضراً بالاندفاع ذاته.

فالإسلام هو ذلك المزيج المتناغم من الجهاد والتّصوّف والحبّ والأخلاق والفكر والعلم، ويبدأ التطرف فيه عندما يختارُ العقل أو القلب لوناً واحداً من هذا المزيج، ويجعلُه اللونَ الغالبَ عليه، فتارةً تجدُ من يجعلُه حاملاً للبندقية لا يضعها، وتارةً تجد من يجعلُه حبيس الروحانيات والوجدانيات منعزلاً عن واقعية الحياة، وتارةً تجدُ من يجعله منظومةً من الثّوابت العقلية والحجج الفكرية الخاليةِ من الواقعية والعاطفة.

إذن فالوسطيُّ هو من أدرك هذا المزيج وأحسنَ إظهاره والتعامل معه بشكلٍ متوازن، والمتطرّف هو من رأى منه وجهاً واحداً وحمل الناس عليه.

لماذا دخل التطرّف إلى الإسلام وهو الدِّين المُنزل من عند الله؟

التطرّف في حقيقته ليس ديناً، وليس شكلاً من أشكال الدِّين، بل هو شكلٌ من أشكال النّفس الإنسانية، فالإنسان المتطرِّف هو الذي يحمل رؤيةً متطرِّفةً للحياة، سواء كان متديِّناً بأيِّ دينٍ من الأديان، أو غير متديّن.

لذلك نجد في حياتنا ملحدينَ متطرفين، ومسيحينَ متطرفين، ويهوداً ومسلمين وهندوساً وبوذيين وسياسيين وعسكريين وعلماء، ومفكرين، وفنانين . . . إلخ

إنَّ أشكال التطرّف تشمل كلَّ نواحي الحياة، لكنَّ عين الإعلام المتطرّف لا ترى إلَّا شكلاً واحداً من أشكال التطرُّف، وتعمل على ترسيخ صورته في خيالات الناس وأذهانهم، فصورةُ الإنسان المتطرّف المصنوعةُ إعلامياً في عقول الناس اليوم هي صورة رجل يلبس لباساً طويلاً، ويُطلق لحيته، عبوس الوجه، مقطّب الحاجبين، لا يتكلّم إلا بالعربيَّة الفصحى، يحبُّ القتل وقطع الرؤوس، ويحتقر النساء، ويقول: الله أكبر، بينما ذلك الأشقر الذي يرتدي ربطة عنق، ويحلق لحيته، ويشرب البيرة، لا يمكن أن يكون متطرِّفاً، حتى لو أنَّه ألقى قنبلتين نوويتين على أطفالٍ ونساءٍ وشيوخٍ وشبابٍ ورجال، ولو دَمّر مدناً عن آخرها، وحتى لو أنَّه قتل أمّةً كاملةً من الهنود الحمر وأخذ أرضهم وخيراتِهم، وحتّى لو أنَّه يشعل الحروب هنا وهناك في العالم ويمدُّها بالصواريخ الذكية، والقنابل المدمّرة، وحتَّى لو كان يقتات على امتصاص اقتصادات القارّة الإفريقية، أو كان يحتكر تكنولوجيا العلاج والدّواء ويبيعها بأغلى الأثمان، أو كان يدير الانقلابات الدموية هنا وهناك تحقيقاً لمصالح الشركات العابرة للقارّات.

فخطر أكبر تنظيمٍ جهاديٍّ متطرّفٍ عرفه التاريخ الحديث وأثره لا يُعادل جزءاً بسيطاً من خطر السلوك الأمريكي الأوروبي الهمجي في السيطرة على موارد الطاقة، وطرق التجارة، وخيرات الشعوب، ورغم ذلك، ونتيجةً للتهجين الإعلامي للعقول، لا يَرى الكثير من أصحاب الوعي المستورد التطرّفَ إلَّا بشكلٍ إسلامي.

ربما يُعتبر الإسلام الدِّين الوحيد في العالم الذي فيه تشريع الجهاد (بالمعنى القتالي)، ألا يدلُّ هذا على أيديولوجيا متطرِّفة؟

يمكننا أن نقول أنَّ الإسلام هو الدّين الوحيد في العالم الذي وضع تشريعاتٍ وقوانين تنظّم الأعمال القتالية، وتضبطها عن الظلم والتعدّي والإيذاء، كتحريم قتل من لا يقاتل، أو قطع الأشجار، أو إيذاء المتعبّدين في معابدهم، أو إيذاء المعابد نفسها، ويحرِّم استعمال القنابل النووية واللاتمييزية في القتل، إلى غير ذلك من التّشريعات والضَّوابط التي تدلُّ على واقعيةٍ تشريعيةٍ وفكريّةٍ تحفظ للناس قوَّتهم في مواجهة أعدائهم، وتضبط هذه المواجهات بحدودٍ ناظمة.

فوجود ضوابط للعمل القتالي يدلُّ على رقيٍّ تشريعيٍّ كانت تغفل عنه القوانين الوضعية، بل إنَّ الإسلام قد جعل الانضباط بالضوابط الإنسانية في الأعمال الحربية والقتالية جزءاً من العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، قبل أن يجعله قانوناً يتجاوزه الأقوياء، ويتجاهله الظالمون.

وهذه الضوابط التي شرّعها الإسلام للأعمال القتالية لم تستطع أن تلتزم بجزءٍ بسيطٍ منها جيوش المتقاتلين العلمانيين في الحربين العالميتين ذاتي أكبر عدد من الضحايا عبر التاريخ الإنساني،  ولو أنَّها التزمت بها لكسبت الإنسانية أرواحاً كثيرةً بريئةً ما كان يجب لها أن تُزهق.

إذا كان التطرّف حالةً من حالات النفس أو العقل الإنساني، فلماذا لا يكون الإسلام علاجاً للتطرّف، بحيث لا يظهر بين المسلمين أناسٌ متطرِّفون؟

الإسلام هو المنهج الربّاني الوحيد القادر على تحقيق حالة التوازن والوسطية للأفراد والمجتمعات والأمم، وهو العلاج الأنسب في مواجهة الأفكار المتطرِّفة، وهذا الادِّعاء لا يعني عدم ظهور متطرِّفين مسلمين، فمخالفة الإنسان لضوابط المنهج، وتجاوزه لحدوده يؤدِّي به إلى الابتعاد عن وسطيَّته، وهذا الأمر ينطبق على جميع ضوابط الشرع الإسلامي وليس على قضية التطرف فقط، ولا يوجد في الإسلام شخصٌ منضبطٌ بضوابطه، وملتزمٌ بحدوده، إلَّا وهو عصيُّ على التطرّف، وخصوصاً في جانب حفظ النفس الإنسانية التي شدّد الإسلام على مكانتها فقال تعالى: ((مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)) [المائدة-32]، والآية في نهايتها توضّح للقارئ أنّ الرُّسل قد جاؤوا بالبيّنات التي من شأنها أن تحمي الناس، لكنَّ كثيراً من الناس، ورغم وضوح هذه البيّنات أسرفوا في الأرض.

ما التطرُّف؟

رغم الدعوات الكثيرة لوضع تعريفٍ محدَّدٍ للإرهاب أو التطرّف إلَّا أنَّ الدول العظمى، والأمم المتَّحدة لم يفلحوا حتى الآن في وضع تعريفٍ واضح له، ذلك أنّ الاعتراف بأيِّ تعريفٍ سيشمل حتماً السلوك المتطرّف للولايات المتحدة الأمريكية، وللدُّول الغربية، وللكيان الإسرائيلي.

إضافةً إلى أنَّ المطلوب إعلامياً من مصطلح التطرُّف هو أن يبقى ملازماً للدِّين الإسلامي، وأن يبقى وسمُ التطرّف صورةً نمطيّةً عن الإسلام في عقول الناس، وأن تُعمَّى العقول عن إدراك مدى تطرّف الأيديولوجيات الليبرالية المعاصرة ووحشيَّتها.

 

عقوبة السرقة والمغالطات المنطقية

غلاف عقوبة السرقة والمغالطات المنطقية

عقوبة السرقة والمغالطات المنطقية

عقوبة السرقة والمغالطات المنطقية

– قرّر الإسلام في أحكامه حفظ المقاصد الضروريّة التي تشكِّل حصناً منيعاً لحماية الأفراد والجماعات، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والنسب والمال، وحرّم الاعتداء على هذه الضرورات، وشرع أحكاماً رادعةً لمن يعتدي عليها، وهي الحدود والقصاص، لتكون زواجر لمن تسوِّل له نفسه الاعتداء على حقوق الآخرين؛ حفاظاً على الأمن والسلام العامّ.

– فيردُّ الغرب ومنكرو الأديان:

إنّ أحكام الإسلام ليست حضاريّة، ولا تصلح لهذا العصر، فهي أحكامٌ قاسيةٌ همجيّة، فكيف تُقطع يد السارق! إنّه أمرٌ تشمئزّ منه النفوس، ولا بدّ من مراعاة التطوّر والرقيّ في سنِّ التشريعات الجنائيّة بما يتناسب مع هذا العصر واحترام حقوق الإنسان.

– الواقع في أمريكا:

انتشار عمليّات النهب والسرقة، وفقدان الأمن، وانتشار الفوضى، وعندما تعاملت الحكومة مع المجرمين والسارقين بقوانين البلاد لم تُجْدِ أحكامهم نفعاً، ولم تردع عقوباتهم تلك الجرائم…

فوقف ترامب وأخذ يهدّد السارقين ويتوعّدهم بالقتل، وقال: (سنوقف فوراً كلَّ عمليّات النهب والسرقة من أجل إعادة الأمن والسلام… بكلّ بساطة: من يسرق متجراً فليتوقّع إطلاق النار عليه عند خروجه من المتجر…) فترتفع الأيدي بالتصفيق والتأييد: انظر الرابط:          

  https :www.facebook.com/reel/1034697554225121

نعم تأييد قتل السارقين بإطلاق النار عليهم، فلا يُعَدّ هذا وحشيّة ولا انتهاكاً لحقوق الإنسان! لأنّ القرار صدر عن سلطة أمريكا.

وعندما يصدر القرار الأخفُّ والأجدى والأحكم عن الشريعة الإسلاميّة، فإنَّهم يحكمون عليه بالقسوة، والوحشيّة، وعدم موافقته للعصر.

إنّها مُغالطة تِلْوَ مُغالطة:

المغالطة الأولى:

مغالطة المنشأ: أي؛ عندما ينشأ القرار من جهةٍ يعادونها فإنَّهم يحكمون عليه سابقاً بأنّه قرارٌ فاسدٌ همجيٌّ لا يصلح للتطبيق دون النظر في حقيقته.

وعندما يصدر من جهةٍ يوالونها فإنَّهم يحكمون على القرار بالصواب والحكمة المطلقة، بل يؤيّدونه، ولو كان أكثر شدّةً وقسوةً من قرار من يعادونه!

المغالطة الثانية:

مغالطة الفائدة الشخصيّة: أي عندما يقوم أحدهم بالتنظير، يفيض قلبه رحمةً وشفقةً على السارقين والمجرمين، ويُنصِّب نفسه مدافعاً عنهم، ثمَّ يستميت بالتهجُّم على الإسلام والطعن في أحكامه التي تسعى لحفظ الأمن والسلام العامّ، ويَصِمُ هذه الأحكام بالوحشيّة والقسوة دفاعاً عن المجرمين!

وعندما يمسُّ المجرمون طرفاً من مصالحه الشخصيّة تراه يدعو إلى إيقاع أشدِّ العقوبات عليهم، ويؤيّد قَتْلهم وإهلاكهم، بعدما كان قلبه يفيض بالشفقة والرحمة عليهم، والحقد على أحكام الإسلام الرادعة لهم، وذلك قبل أن تصل جرائمهم إلى أمواله ومَتاجرِه، فيحكم على الأشياء حسب مصلحته الشخصيّة.

وما هكذا يكون تقرير الأحكام، وإنَّ ما يصدر منهم إن دلَّ على شيءٍ فإنَّما يدلُّ على التخبُّط، واتّباع الهوى، والتناقض المنطقي، وفساد التفكير.      

الدعوة إلى الأخلاق ونبذ الدين

الدعوة إلى الأخلاق
الدعوة إلى الأخلاق

الدعوة إلى الأخلاق ونبذ الدين

Loading

الدعوة إلى الأخلاق ونبذ الدين

 قد تنادي بعض الأصوات بإنشاء الأجيال على الأخلاق، وإبعادهم عن الدين؛ لأنّ الدين بنظرهم ينافي الحياة الراقية، وهو مصدر الهمجيّة، وسبب الفتن، وسفك الدماء.

ينبع هذا الكلام في الحقيقة من الجهل بالدين، فلا يستند إلى شيء من الصدق والموضوعية، وإليك ما يقابل هذا من أقوال أساطين المعرفة والمنهجية العلمية، من الغربيين الذين درسوا الإسلام بعمق:

تقول عميدة الاستشراق أ. د. أنّا ماري شمل: (المرء عدو ما يجهل …الواقع أنّ الجهل يورث الكراهية والبغضاء…ولا يحسبنّ أحد أنّ احتشاد وسائل الإعلام بالمنشورات والمؤلفات والبرامج والندوات كافٍ لجلاء غموض ما نجهل… وقد يؤدي هذا إلى تشويه حضارة ما، أو تقديم صورة مزيفة لها، فتنبعث الحزازات والحساسيات الفكرية الضارية.
ينطبق هذا خاصة على صعيد الأديان، والإسلام مَثَلٌ نمَطيٌّ لتلك التأويلات الظالمة المشوّهة، كما نعهد في لوحات فناني القرن التاسع عشر الغربيين، الذين شغفوا بتصوير المسلمين …برابرة، غير متحضرين، محاربين، شاهري السيوف… وكما نعهد اليوم، إذ تقفز إلى الأذهان عند ذكر كلمة الإسلام صورة فقيه ملتحٍ متزمّت، أو صورة إرهابي وقح منحطّ لا وازع له، والحقّ إنّ تلك اللوحات وهذه الصور اليوم تستندان إلى التأويل الظالم، والشرح الأثيم والذي يستطيع كلُّ من درس الحضارة الإسلامية أو خالط المسلمين أن يصوّبه ويُبيّن خطأه وفساده) [الإسلام كبديل د. مراد هوفمان: (9) مقدمة أ. د. أنّا ماري شمل].

وقال المستشرق ميشون: (وإنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون من المسلمين روح التعامل وفضائل حسن المعاملة، وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند شعوب الأمم، كل ذلك بفضل تعاليم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ) [هؤلاء المثقفون اختاروا الإسلام: (9)].

وقال المستشرق الإنكليزي إدوار لين: (فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالأخلاق، وهي أخلاق عاشت وستظل إلى يوم البعث قائمة، ولن ينال المغرضون الكارهون لنبي الإسلام منه شيئاً،  وسيظل الإسلام شامخاً بقرآنه وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رغم أنف الكارهين ) [هؤلاء المثقفون اختاروا الإسلام: (13)].

وإنّ ما يدّعيه أولئك من أن الإسلام مصدر سفك الدماء والفتن ليس وليد اليوم والليلة، بل هو ادّعاء قديم، منذ عهد الحملات الصليبية، فقد نسب الصليبيون جرائمهم ووحشيّتهم إلى الإسلام وهو منها براء، قال جون وبستر الإنكليزي الذي أسلم: (يظهر أنّ الغرب المسيحي قد تآمر منذ الحروب الصليبية على التزام الصمت تجاه محاسن الإسلام، وحاول تشويه مبادئه بطريقة مُتَعمَّدة كلما تحدّث عنها ) [هؤلاء المثقفون اختاروا الإسلام: (73)].

وهذا الأسلوب في نقل صورة الذات المشوّهة إلى الطرف الآخر واتّهامه بها، يسمّى في علم النفس بـ(الإسقاط) وهو حيلة دفاعية من الحيل النفسية، وعملية هجوم يحمي الفرد بها نفسه بإلصاق عيوبه ونقائصه ورغباته المحرمة أو المستهجنة بالآخرين.

ومن ثمّ فإنّ تلك الدعوة التي تبعد الأخلاق عن الدين تعني باختصار: وجوب التخلّي عن الفضائل والمكارم، والاتّصاف بالنفاق والانغماس في المادّية البعيدة عن الروح والقلب.

فالغرب يتبنّى نظريّة المصلحة (النفعيّة العمليّة) أو البراغماتية في حياته وأخلاقه، ومعيار المصلحة والأخلاق عندهم يكون باعتبار الثمرة الحاضرة، فيجعلون كلّ تصرّفاتهم وسلوكهم وسائل لتحقيق المنفعة الشخصيّة، والأخلاق لديهم متغيّرة ليست ثابتة، تابعة وليست متبوعة، كلّ ذلك حسب ما تقتضيه المصلحة الشخصيّة والأنانيّة. [انظر: قصة الفلسفة من إفلاطون إلى جون ديوي: (623) ول ديورانت ترجمة د. فتح الله محمد المشعشع – دار المعارف – بيروت ط6]

ولا ينبغي أن تخدعنا بعض المظاهر التي نجدها عندهم من انضباط في المواعيد، واحترام النظام، وغير ذلك؛ لأنهم يقومون بهذا السلوك من باب المنفعة والمصلحة الشخصية والمادية والنفاق، وليس من وازع إيماني؛ لذا لا نجد في أخلاق الغرب برّ الوالدين، ولا صلة الرحم، ولا إغاثة الملهوف، ولا الإحسان إلى الفقير والمسكين والضعيف؛ لأن هؤلاء لا يُجنى من الإحسان إليهم مصلحة.

وأمّا الرذيلة فإذا كانت تحت رقابة القانون ومسؤوليته فإنّهم يبتعدون عنها، وإذا لم يكن فيها مساءلة قانونية، فلا مانع لديهم من ارتكاب أعظم الجرائم وأشنع الوحشية. 

ففي شهر آذار عام 1993 م كان أحد جنود البعثة الكندية لقوات الأمم المتحدة في الصومال المعنيّة بحفظ السلام قد استدرج شاباً صومالياً إلى المعسكر اسمه: (شيدان مارون) لا يتجاوز السادسة عشر من العمر، وأدخله إلى خيمة خاصة بالتعذيب، وأخذت مجموعته مع قائدهم يتفننون باغتصابه مع تعذيبه وإيذاء جسده، وكان هذا الشاب يصرخ ويستنجد، وصار ينادي كَندا كَندا ليستعطف قلوبهم، ويستثير حبهم لبلادهم وإنسانيتها وإنسانية الأمم المتحدة، ولكن لا حياة لمن تنادي، وبقي تحت قسوة التعذيب والاغتصاب عشر ساعات، حتى قضى نحبه بين أيديهم ووجدوه متناثر الجسد والأعضاء.

وقد صوّروا هذه الجريمة بأنفسهم، واللافت للنظر أن كلّ واحد منهم كان حريصاً على أن يظهر في الفيديو وآلات التصوير التي تلتقط المشاهد بدقة، والتي إذا وصلت إلى القضاء ستدينهم وتثبت جرائمهم.

وقد استطاع أحد الصحفيين الحصول على مجموعة من الصور ونسخ من شرائط الفيديو، وأرسلها إلى الحكومة العسكرية العليا بكندا، وبعد المحاكمة خرج هؤلاء الجنود وقائدهم براءة، بحجة أنهم فعلوا ذلك بحالة غير إرادية؛ لأن ذلك في مفهوم حضارتهم لا يشكل جريمة .

 لقد كان جنود البعثة على اطّلاع بأن القانون لا يُعاقبهم على هذه الجريمة، فحرصوا على أن يظهروا في شريط الفيديو، وقاموا بتلك الوحشية ؛ لأن الفقراء والضعفاء وشعوب العالم الثالث لا قيمة لهم، ولا عقوبة على الجرائم التي تُرتَكب في حقهم، وهذه ليست هي الحالة الوحيدة، بل هناك عشرات الحالات كانت على شاكلتها [انظر: الشرائع والأخلاق بين الحضارة والانحطاط: (286)].

وقد أحدثت مصالح الدول الغربية العظمى والسياسية معسكرات للأطفال في ليبيريا، وأنغوليا، ورواندا، والسودان، والصومال، وكمبوديا، وأفغانستان، وغيرها في البلدان المماثلة لها في الفقر وسوء الأوضاع في بقاع العالم لغايتين:

1- بيع الأطفال أرقاء، أو بيع أعضائهم قطعاً بديلة بشرية.

2- تدريب الأطفال على استعمال السلاح والقتل لأغراض سياسية، حيث يخططون لتدمير الشعوب في المستقبل، فينشؤون هؤلاء الأطفال لتنفيذ مهام مختلفة، كإثارة الفتن والاقتتال بين دول وشعوب العالم الضعيف والنامي، وذلك بعد نزع الإنسانية من صدورهم وتعطيل عقولهم، حيث يكافئون من يقوم بقتل مَن يأمرونهم  بقتله برفع رتبته، وقد وصل الأمر إلى أن كلّفوا أحد الأطفال بقتل عائلته ففعل، وكافؤوه على ذلك بأن جعلوه قائداً على مجموعته [انظر: الشرائع والأخلاق بين الحضارة والانحطاط: (298)].     

 وفي ظل الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي لدى الدول الصناعية الغربية نما العملاق المادّي نموّاً أحدث فراغاً روحياً ونفسياً لدى شعوب هذه الدول، مما أتاح لليهودية إنشاء عصابات المافيا الإجرامية والطوائف الشاذّة المتعددة، وتأسيس معسكرات ومراكز انطلاق لانتشارها وتصديرها للشعوب وإقامة شركات للتجارة بالأطفال والأعضاء البشرية.

وهكذا باتت الدول الكبرى وشعوبها وشعوب العالم كله مرتعاً خصباً لأعمال العنف، والقتل، والتفنن في طرق وأساليب تنفيذها، والانتحار الإفرادي والجماعي، وانتشار الجرائم، حيث تحدث كل 1 ثانية مئة ألف جريمة في العالم .    

إنّ هذه الأخلاق التي ينادى بها، ما هي إلا أخلاق المظاهر والنفاق، والمصلحة والمادية، بل الهمجية وشريعة الغاب.

وإذا عدنا إلى الأخلاق التي جاء بها الإسلام، نجدها بلغت شأواً سامقاً، لا يمكن أن يطالها فكر مفكّر، ولا حكمة فيلسوف، ولا إنسانية من ينادي بالإنسانية.

ولنذكر ميّزتين من ميّزات الإسلام في هذا الجانب:

الميزة الأولى: أمَرَ الإسلام بالأخلاق والفضيلة لذات الخير، دون النظر إلى المصلحة الدنيويّة المتوخّاة منها، ودون النظر إلى من يقع عليه الخير، حتّى ولو كان عدوّاً، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]

أي لا يحملنّكم بغضكم لقوم على ظلمهم، فيجب أن تقيموا العدل مع الجميع حتّى مع الأعداء والكفار [انظر: تفسير أبي السعود: (3/ 12)] والأحاديث النبويّة، والأمثلة الواقعيّة في تاريخ الإسلام التي تؤكّد هذا أكثر من أن تحصى.

الميزة الثانية: أنّ الأخلاق عند المسلمين تنبع من روح الإيمان، لا من رقابة الرقباء، ولا من عقوبة القانون كما هو عند الغرب، ولعلّ صورةً واحدةً من ملايين الصور المشرقة تستطيع أن تعبّر عن هذا المعنى في حياة سلفنا الصالح، فقد كان ابن عمر رضي الله مسافراً، وفي وقت الهاجرة نزل في البادية ليأخذ قسطاً من الراحة، ووضع الطعام، فرأى مملوكاً يرعى الغنم فدعاه ابن عمر ليأكل معه، فقال الراعي أنا صائم، فقال له تصوم في شدة الحرّ؟ فقال أريد أن أعوّض عن أيامي الخوالي، فأراد ابن عمر أن يختبر إيمان الراعي، فقال له بِعنا شاة نأكلها ونعطيك ثمنها، وتأكل من لحمها عند فطرك، فقال له الراعي: الأغنام ليست لي وإنما هي لمولاي، فقال له ابن عمر قل لمولاك أكلها الذئب، فصرخ الراعي فأين الله فأين الله [انظر هذه القصة في: التبصرة لابن الجوزي: (2/250)، لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي: (323)].

إنها صورةٌ مشرقةٌ عن أثر الإسلام في غرس القيم والأخلاق، ومراقبة الله تعالى، رسمها رجلٌ مملوك يرعى الغنم بين الشعاب، في الصحراء الشاسعة بعيداً عن أعين الناس، لكنَّ قلبه يرى الله تعالى في كل تصرفاته، فأطلقها صرخةً مدويةً ملأت الصحراء فأين الله فأين الله.

قال السياسي الباحث الاجتماعي الألماني محمد أمان هوبوهم: (وهنا يأتي الدور العظيم الذي حققه الإسلام، فهو الدين الوحيد الذي استطاع أن يغرس في نفوس من اتّبعوه الشعور بمراعاة حدود الآداب والأخلاق دونما حاجةٍ إلى سلطان قاهر غير ضمائرهم؛ لأن المسلم يؤمن أنه حيثما كان فهو في دائرة رقابة ربه، وهذا ما يردّه عن ارتكاب المعاصي) [لماذا أسلمنا: (52)]. 

أنّى للمادية والمصلحية والنفعية من هذه المعاني الراقية السامية، بل إنّ فكرهم لا يمكن أن يتصورها، وإن أخلاقهم وسلوكهم عند غياب الرقيب، أو عدم ملاحقة القانون لا يخرج عما فعله جنود البعثة الكندية من الاعتداء على الشاب الصومالي، وتعذيبه، وقتله، وتبرئة القضاء للمجرمين.

هاتان الميزتان تنطقان بالحقائق وتلخّص الفرق بين الأخلاق في ظل الدين والأخلاق عند غياب الدين.

حضارة التزكية

حضارة التزكية

حضارة التزكية

Loading

حضارة التزكية

وإن شئت فقل: (حضارة التصوُّف)… ولعلّ القارئ الكريم يتفاجأ من هذا العنوان الذي يجمع بين كلمتين لا يظهر بينهما ارتباط، بل تبدوان متناقضتين حسب ما يُروَّج اليوم، فالحضارة: علمٌ، وعملٌ، وابتكارٌ، وإبداعٌ، وبناءٌ، وازدهارٌ، وانتصارٌ، أمّا التزكية والتصوُّف: فزهدٌ، وعبادةٌ، وفقرٌ، وإعراضٌ عن الدنيا…

إنَّ هذه النظرة السلبيّة إلى التصوُّف تُخالف حقيقته الأصليّة والمعنى الذي نقصده. فالتصوُّف هو تطبيق الدين بكماله من عبادةٍ، وسلوكٍ، وتزكيةٍ للنفوس، مع الشعور بالخلافة لله في الأرض بالتعبُّد بعمارتها، ونشر العلوم المفيدة، وإقامة العدل، وبذل الطاقة في نفع الأمّة، مع الإخلاص لله، والابتعاد عن الحظوظ النفسية (حظوظ النفس) ، وعدم التعلّق بالدنيا، وتزكية النفس من حبِّ الظهور، والرياء، والعجب، والكبر، ونحوها من الصفات الذميمة.  

فهذا هو المعنى الحقيقيُّ للتصوّف الذي كان عليه سلف الأمَّة، وإنّ كبار أعلام المسلمين وخلفاءهم وعلماءهم وأبطالهم الذين صنعوا الحضارة الإسلامية كانوا من ذوي التزكية والسلوك منذ صدر الإسلام، فالخلفاء الراشدون، والقادة الفاتحون، والأبطال المقاتلون، وعلماء السلف، كانوا متحقّقين بمعنى التصوّف من تزكيةٍ وزهدٍ، وإليك أنموذجاً يتجلَّى فيه هذا المعنى من  الفاتحين من الرعيل الأوّل:

 عندما انتصر المسلمون في معركة القادسيّة، ورأوا ما لم يخطر في بالهم من الذهب، والجواهر، والتُّحَف، والبهرج، والنفائس التي كانت في مُلك كسرى، لم يأبهوا بها، ولم يدخل أفئدتهم الهلع والاستعظام، ولم يركنوا إلى الدنيا، بل استهانوا بكلِّ ذلك، وكان في أعينهم كالحجارة؛ لأنَّ قلوبهم كانت زاهدةً بالدنيا؛ ونفوسهم مزكَّاة، وفي المقابل فقد أخذوا بكلِّ أسباب القوّة والتخطيط لتحقيق النصر.

وأراد عمر رضي الله عنه أن يرسِّخ لديهم حقارة الدنيا وزوالها، فألبس ثياب كسرى الفاخرة النفيسة لخشبة ونصبها أمامه؛ ليُري الناس ما في هذه الزينة من العَجَب، وأنّ عاقبة الملوك والأكاسرة وثرائهم إلى فناء، فلا تتعلَّق قلوبهم بشيءٍ من الدنيا [انظر: البداية والنهاية: (7/ 78)].

 لذا لا غرو أن نجد ابن خلدون يصف الصحابة والسلف بأنّهم صوفيّة، مع أنّ مصطلح التصوُّف جاء متأخِّراً، فقال: (في علم التصوُّف: هذا العلم من العلوم الشّرعيّة الحادثة في الملّة، وأصله أنّ طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمَّة وكبارها من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم طريقة الحقِّ والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدّنيا وزينتها، والزّهد فيما يُقبل عليه الجمهور من لذّةٍ ومالٍ وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عامّاً في الصّحابة والسّلف) [تاريخ ابن خلدون- المقدّمة: (1/ 611)].

فالانقطاع إلى الله والزهد موضعه القلب، ولا يتنافى مع العمل والكسب وتحقيق الانتصارات وطلب العلوم بأنواعها البتَّة، ومن ثمَّ فإنَّ حضارتنا بُنِيت على التزكية والتصوُّف الذي تكتمل فيه عناصر الدين الموصلة إلى مقام الإحسان.

مساهمة علماء التزكية والتصوّف في العلوم الكونيّة في الحضارة الإسلاميّة:

إنّ كثيراً من العلماء الذين ساهموا في علوم الحضارة الإسلاميّة كانوا من أهل التزكية والتصوّف، منهم: 

– الإمام تاج الدين التبريزي:

إمام التصوُّف في عصره، فقد تحدَّث عن العلوم التي درسها، فقال: (سمعت من جامع الأصول على القطب الشيرازي… وأخذت النحو والفقه عن الركن الحديثي، وعلم البيان عن النظام الطوسي، والحكمة والمنطق عن السيد برهان الدين عبيد الله… وأخذت أكثر أقسام الرياضيات وإقليدس وأوطاوقس، وبادوسيوس، ومالاناوس، والحساب والهيئة عن فيلسوف الوقت كمال الدين حسن الشيرازي الأصبهاني، والوجيه في الفقه عن شيخ الزمان تاج الدين حمزة الأردبيلي، وعلم الحساب والجبر والمساحة والفرائض عن الصلاح موسى، وشرح السنة والمصابيح عن فخر الدين جار الله الجندراني، وألبسني خرقة التصوُّف ولقَّنني الذكر تاج الدين الملقَّب بالشيخ الزاهد عن شمس الدين التبريزي) [الوافي بالوفيات (21/ 144)].

فقد درس الإمام التبريزي العلوم الشرعيّة والكونيّة بأنواعها، وأغنى المكتبة الإسلاميّة بكتب الحساب والجبر وغيرها من العلوم، وهو من أهل التصوُّف وعلماء الشريعة.

– العالِم جابر بن حيّان:

مؤسِّس علم الكيمياء، الذي ساهم في بناء الحضارة في المشرق والمغرب، فقد كان من أهل التصوُّف، قال فيه القفطي: (جابر بن حيَّان الصوفيُّ الكوفيّ، كان متقدّماً فِي العلوم الطبيعية، بارعاً منها فِي صناعة الكيمياء، وله فيها تآليف كثيرة ومصنَّفاتٌ مشهورة، وكان مع هذا مُشرفاً على كثيرٍ من علوم الفلسفة ومتقلّداً للعلم المعروف بعلم الباطن، وهو مذهب المتصوّفين من أهل الإسلام، كالحارث بن أسد المحاسبي، وسهل بن عبد الله التستري ونظرائهم) [أخبار العلماء بأخيار الحكماء (ص: 124)].

وذكر ابن المشّاط الأندلسيّ أنَّه رأى لجابر بن حيان بمدينة مصر تآليف فِي عمل الإصطرلاب تتضمَّن ألف مسألة، ووصفه بأنَّه: (لا نظير له)  [المصدر السابق].

وقال ماكس مايرهوف: (يمكن إرجاع تطوُّر الكيمياء في أوروبّا إلى جابر بن حيّان بصورةٍ مباشرة، وأكبر دليلٍ على ذلك أنّ كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملةً في مختلف اللغات الأوروبّيّة).

 وقد تُرجمت كتب ابن حيّان وبقيت هي المرجع الأوَّل مدى ألف عام، وكانت مؤلّفاته موضع اهتمامِ ودراسةِ مشاهير علماء الغرب، مثل (كوب هولميارد)، (سارتون)، وغيرهم.

– ابن طفيل الأندلسي:

فيلسوفٌ وعالمٌ موسوعيٌّ، فقيهٌ وطبيبٌ ورجل دولة، ومن أشهر المفكّرين العرب الذين خلّفوا آثاراً خالدةً في الفلسفة والفلك والرياضيات والطبّ، وكان من وزراء دولة الموحّدين في وقت عظمتهم، وكان الطبيب الخاصّ للسلطان أبي يعقوب يوسف القيسي أمير الموحِّدين، وكان عالماً محقّقاً، شغوفاً بالحكمة المشرقية، متصوّفاً، طبيباً ماهراً في أصول العلاج، وفقيهاً بارع الإعراب، وكاتباً بليغاً، ناظماً ناثراً، مشاركاً في فنونٍ عدَّة. [انظر: دولة الإسلام في الأندلس (4/ 719)].

ولم تخلُ كتابته عن لمسةٍ صوفيّة، فقد قال في أسطورة حيّ بن يقظان: (…ثمَّ انتقل من العلوم الطبيعية إلى الفلسفة وعلوم الدين؛ وأثبت لنفسه وجود خالقٍ قادرٍ على كلِّ شيء؛ ثمَّ عاش معيشة الزهّاد… وأصبح (حيّ) بعد أن بلغ التاسعة والأربعين من العمر متأهّباً لتعليم غيره من الناس، وكان من حسن الحظ أنّ متصوّفاً يُدعى (أسال) استطاع في سعيه إلى الوحدة أن يُلقي بنفسه على الجزيرة، فالتقى بحيّ… وأقرّ لحيّ بما في عقائد الناس الدينية في الأرض التي جاء منها من غلظة وخشونة، وأظهر له أسَفَه على أنّ الناس لم يصلوا إلى قليل من الأخلاق الطيّبة إلّا بما وعدوا به من نعيم الجنة، وما أنذروا به من عقاب النار) [قصة الحضارة: (13/ 369)].

فقد جعل بين شخصيّة (حيّ بن يقظان) و(أسال) اللذَين يمثّلان كمال الإيمان انسجاماً في معاني التصوُّف وتزكية النفوس، وانتقد المجتمع الذي ابتعد عن ذلك واتّسم بالغلظة والخشونة وغياب مكارم الأخلاق. 

– أبو الفضل عليّ بن الحسين الهمذاني:

الفلكيّ، الحافظ، الرحّال، البارع في الحساب والفلك وغيرها من العلوم، كان صوفيّاً سالكاً طريق أهل التزكية. [انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي (ص: 430)]

وغيرهم كثير.

رحمته في الجهاد

دور أهل التزكية والتصوّف في تخليص البلاد من شرّ الغزو المغولي، ودعوتهم إلى الإسلام:

برزت سمة الرقيّ الفكري والحوار الحضاري لدى أهل التزكية والسلوك في الدور التاريخي الذي قاموا به من دعوة المغول إلى الإسلام، عندما كانوا يعيثون فساداً، وحيثما توسَّعوا توسَّعت معهم دائرة القتل والدمار، فكانوا كابوساً ثقيلاً يجثم على صدور الناس، وذِكرُهم يبعث الفزع والهلع في القلوب.

أمّا علماء التصوّف فقد اتّخذوا سبيلاً آخر في التعامل معهم، فقد كان الشيخ نجم الدين كبرى من أكابر أئمّة أهل التصوّف في عصره، واستمرّ في إرسال تلامذته إلى الأمصار للدعوة إلى الله، وكان من أبرز تلامذته الإمام الباخرزي، وقد أرسله إلى بخارى، وعندما وصلها المغول أرسل الشيخ الباخرزي أحد دعاته إلى (بركة خان) ابن عمِّ هولاكو، أحد القادة الذين جاؤوا للقتل والإبادة، فعرض عليه الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، فأعجب بركة خان بالفكر والروح الذي يتّسم به أهل التصوّف والتزكية، فأسلم، ثمّ أسلمت زوجته وقبيلته، ووقف مع المسلمين ضدّ ابن عمّه هولاكو، ثمّ رجع (بركة خان) إلى دار ملكه (القبيلة الذهبيّة) يدعوهم إلى الإسلام، ويعظّم شعائره، ويبرّ علماءه.

 وأمر (بركة) جنده الذين كانوا في جيوش ابن عمه (هولاكو) أن يخذلوه ويرجعوا، فإن لم يستطيعوا فليتوجَّهوا تلقاء الشام ومصر ليعينوا الملك الظاهر بيبرس على هولاكو، وبذلك انقسم جيش المغول ووقف أتباع (بركة خان) في صفّ المسلمين ممّا أضعف (هولاكو) ومن بقي معه، وكان ذلك سبباً في انتصار المسلمين وهزيمة المغول واندحارهم، فكان دعاة التصوّف أعظم سببٍ من أسباب النصر من خلال تأثيرهم الإيمانيّ ودعوتهم الصادقة التي اخترقت صفوف المغول، وحوّلت العدوّ صديقاً مناصراً مؤازراً، حتى قالوا: كان إسلام (بركة خان) من بركات الشيخ نجم الدين كبرى رحمه الله.

دور علماء التزكية في إصلاح المجتمع، وإنشاء جيلٍ يستعيد قوّته وهيبته ويحقّق النصر:

عندما كانت الحملات الصليبيّة تستهدف بلاد الأقصى وغيرها من بلاد المسلمين، وكانت الخلافة الإسلاميّة في حالةٍ من التشتّت والوهن، والتيَّارات الفكريّة المنحرفة تجرف العقول، والصراعات المذهبيّة تجافي بين القلوب، والفساد السياسي والاقتصادي مستشرياً آنذاك، انبرى علماء التزكية والتصوّف لإصلاح المجتمع، وتخليصه من هذه الحالة التي يعاني منها، وكان أبرز من حمل على كاهله هذه المهمّة الثقيلة أعظم إمامين من أئمّة التزكية: الإمام أبو حامد الغزالي، ثمّ من بعده الإمام عبد القادر الجيلاني .    

أمّا الإمام الغزالي: فقد قام بتشخيص أمراض المجتمع ووهنه، وعمل على إنشاء جيلٍ جديدٍ من العلماء المربّين والربانيين، ووضع منهاجاً جديداً للتربية والتزكية والتعليم، وتصدّى للتيارات المنحرفة والمبتدعة من فلسفاتٍ وإلحاد، وعمل على إصلاح المجتمع وتعليمه وتربيته وتزكيته، ونظر إلى الجهاد نظرةً بعيدةً شاملة، فجعل له ثلاثة مظاهر:

الجهاد التربوي التزكوي، والجهاد التنظيمي، والجهاد العسكري.

أمّا الجهاد التربوي التزكوي: فهو أن يبدأ الإنسان بتزكية نفسه وإصلاحها قبل إصلاح الآخرين.

وأمّا الجهاد التنظيمي: فهو معالجة الخلل الذي وقع فيه المجتمع، من تشتّت وفساد، وظلم وبِدَع وفلسفات إلحاديّة ونحو ذلك، فقام بالإصلاح العامّ وتوحيد الصفّ والكلمة.

ثم بعد أن يتهيّأ المجتمع وتتوحّد الكلمة يأتي دور الجهاد العسكري.

إنّ هذه الخطّة الإصلاحيّة التي ابتدأها الغزالي آتت ثمارها، وتتابعت حلقاتها، حتّى انتهت بتهيئة جيلٍ يدحر الغزاة والصليبيّين، واسترجاع الأرض والمقدّسات.

وأمّا الإمام عبد القادر الكيلاني: فقد اعتمد على التعليم المنظَّم والتربية الروحية، وأسّس المدارس القائمة على العلم والتزكية.

 وكانت في ذلك الوقت رديفاً لهاتين المدرستين الكبيرتين عددٌ من مدارس التزكية، كمدرسة أتباع الإمام الجنيد البغدادي، والمدرسة العدويّة والمدرسة السهرورديّة، ومدرسة الشيخ رسلان الجعبري، ومدرسة الشيخ عقيل المنبجي، والمدرسة الرفاعيّة ونحوها.

ومن خلال هذه الجهود الإصلاحيّة والعلميّة والتربويّة والتزكويّة تمّ علاج الأمراض التي كانت مستشريةً في العقول والقلوب، والفساد الذي أوهن البلاد، فأصلحوا المجتمع، ووحّدوا الكلمة، وبنوا جيلاً قويّاً من القادة والعلماء والأبطال، وكان التلميذ النجيب للشيخ عبد القادر الكيلاني: القائد صلاح الدين الأيوبي، رمزاً لصلاح الحال الذي ساد آنذاك، وكان جيشه قد تلقّى العلم والتزكية عن كبار أهل التصوّف، فدحروا الصليبيّين، واسترجعوا المسجد الأقصى، وأعادوا للمسلمين هيبتهم وقوّتهم. [انظر كتاب: هكذا ظهر جيل صلاح الدين: (101) حتى (239)]

دور أهل التزكية والتصوّف في حركات التحرّر ومواجهة الاحتلال الأوروبّي:

لم يتوان أهل التزكية والتصوّف عن رعاية القضايا الكبرى للأمّة، بل كانوا هم الطليعة في تحمّل المسؤوليّة، فأكثر الثورات التي قامت، والجيوش التي قاومت الاحتلال الأوروبّي كانت متمثّلةً بأصحاب التصوُّف والتزكية، ولا مطمع لنا بإحصائهم لكثرتهم، ولكن سنذكر طرفاً من رؤوس أصحاب الثورات الشهيرة في البلاد العربيّة:

ففي مصر:

كان للبكريّين دورٌ بارزٌ في مقاومة الاحتلال، وعلى رأسهم الشيخ علي البكري نقيب الأشراف في مصر وشيخ مشايخ الطرق الصوفيّة، الذي جمع العلوم الشرعيّة والكونيّة العصرية، وكانت تُعقَد في بيته أخطر الاجتماعات الدينيّة والسياسيّة، وبثّ روح الوطنيّة لمواجهة الاحتلال بأنواعه.

وكذلك القائد أحمد عرابي صاحب الثورة الذي طبقَّت شهرته العالم الإسلامي، وتواصل مع حركات التحرر في البلاد العربيّة، وتعاطفت معه الشعوب، وكان جنده يقضون الليل بتلاوة القرآن وحلقات الذكر.

وكان في القيادة العليا لثورة عرابي الشيخ حسن العدوي، والشيخ محمّد علّيش، والشيخ محمد القاياني، وهم من كبار أهل التصوّف.

وفي الجزائر:

الأمير عبد القادر الجزائري، الذي قاد جيشاً منظّماً بمباركة شيوخ الطرق الصوفيّة، وقد ناف عدده على خمسة عشر ألف مقاتل، وأجبر الفرنسيين على الانسحاب من غربي الجزائر، لكنّ الوحشية الفرنسيّة اتّبعت سياسة الأرض المحروقة فقتلوا الرجال والنساء والصبيان، ممَّا اضطر الأمير للانسحاب حقناً للدماء، لكنّ جذوة الجهاد والمقاومة لم تنطفىء حتَّى قرّت أعين الجزائريّين بجلاء الاحتلال الفرنسي.

وفي السودان:

محمد المهدي شيخ الطريقة السمّانيّة، وقد ضمّ عشرات الألوف من التلامذة المخلصين إلى ثورته في مقاومة الاحتلال البريطاني.

وفي ليبيا:

كانت الطريقة السنوسيّة وشيخها عمر المختار الذين أبلوا بلاء حسناً، وقاوموا الاحتلال الإيطالي وكبّدوه خسائر فادحة.  

وفي المغرب:

ثورة الشيخ محمد عبد الكريم الخطابي، الذي وقف في وجه الاحتلال الفرنسي، وصنع المعجزات في مقاومتهم.

وفي الشام:

كانت إدارة الثورة ضدّ الفرنسيّين بيد محدّث الديار الشاميّة الشيخ بدر الدين الحسني، وتلميذه الشيخ علي الدقر صاحب المشرب الجنيدي، والشيخ محمّد الهاشمي، والشيخ محمد بن يلّس، وغيرهم من شيوخ الطريقة الشاذليّة، والعلماء الذين حولهم، الذين جمعوا بين العلم والعمل والتزكية، وجلّ الجيوش المقاتلة تنتمي إلى هذه المدارس.

ومن ثمّ نجد أنّ دور علماء التزكية والتّصوّف كان بارزاً في مفاصل الحياة العلميّة والدعويّة والفكريّة والإصلاحيّة والعسكريّة، وكان لهم أثرٌ كبيرٌ في صناعة الحضارة الإسلاميّة، والقضاء على الفساد، وتحقيق النصر والعزّة للأمّة.

الديانة الإبراهيمية

غلاف الديانة الإبراهيمية
الديانة الإبراهيمية

الديانة الإبراهيمية

Loading

الديانة الإبراهيمية

إنّ من أهمِّ أهداف القوى الغربيّة؛ الهيمنة الفكريّة والسيطرة على الأديان والمقدّسات، لا سيّما الإسلام، وقد أسَّسوا في سبيل ذلك مراكز، وعقدوا المؤتمرات، وألّفوا الكتب، وألقوا المحاضرات، واتبعوا في ذلك أسلوبين متغايرين يؤدّيان إلى نتيجة واحدة.

الأسلوب الأوّل: الطعن في القرآن الكريم والسنّة النبويّة وشخصيّة سيِّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وانتقاد الأحكام الشرعيّة، وانتقاص الأئمّة والعلماء، كلّ ذلك في سبيل تقويض الثوابت والأصول.

 الأسلوب الثاني: إطلاق الشعارات البرّاقة، والتلاعب بالمصطلحات، لتبديد ملامح الإسلام، وإفراغ القرآن الكريم من مضمونه بتزوير تفسيره ومعانيه باسم القراءة المعاصرة، والاستدراج بالخطوات للوصول إلى الهدف المنشود، كما هو معهود من أساليب الماسونيّة.

ومن خلال ذلك يحاولون صياغة الإسلام ضمن رؤى وضعيّة، فوظّفوا شخصيّات تقوم بهذه الأدوار، ليُنتجوا إسلاماً بصورة معدّلة مبدّلة.

وضمن هذا السياق، وتحت مسمّى التعايش والتآلف ووحدة الأديان أسَّسوا (الديانة الإبراهيميّة) بدعوى أنّ اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام كلّها تابعة لإبراهيم عليه السلام، وعلى أصحاب هذه الديانات أن يتّحدوا ويجتمعوا، ولا يتفرّقوا ولا يتنافروا.

إنّها كلماتٌ برّاقة، يُظهِرون من خلالها التقارب البريء بين أصحاب الديانات السماويّة؛ لكنّها تخفي أهدافاً وغايات سياسيّة وفكريّة هدّامة.

وفي الحقيقة إنّ مشروع الديانة الإبراهيميّة أو المسار الإبراهيمي ليس وليد الساعة، وليس فكرةً عابرةً رغبوا في تنفيذها، وإنَّما هو مشروعٌ سياسيٌّ مدروسٌ يسعى إلى توسيع الهيمنة الصهيونيّة في المنطقة، وقد بدأ منذ عام 1993م -كما نوّه أستاذ العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة عصام عبد الشافي- بعد توقيع اتّفاقيّة أوسلو، حيث أخذ رئيس الكيان الصهيوني الأسبق شمعون بيريز يتحدّث عن (الشرق الأوسط الجديد) للسيطرة الفعليّة على المنطقة.

وثمّة مجموعة من الدراسات والأوراق والتقارير الرسميّة صدرت في جامعة (هارفارد) عام 2013م سُمّيت (مسار إبراهيم) ووثيقةٌ رسميّةٌ صدرت عن جامعة فلوريدا الأمريكيّة عام 2015م تتحدّث عن (الاتّحاد الفيدرالي الإبراهيمي) [ينظر صحيفة BBC 10 تشرين الثاني 2021م].

وقد اتّخذت الدول المتبنّية لهذا المشروع حادثة توقيع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب مع البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكيّة وثيقة الأخوّة الإنسانيّة من أجل السلام العالمي والعيش المشترك في فبراير عام 2019م  رمزاً للديانة الإبراهيميّة، وما ذاك إلّا خداعٌ وتدليسٌ واتّهامٌ مبطّن لحقيقة الإسلام، وكأنّه لا يقبل الآخرين إلَّا بتبديد معالمه وتهجينه ومزجه بالديانات الأخرى، وفي الحقيقة فإنّ الإسلام مبنيٌّ على السلام والتعايش والتآلف، منذ أن عاهد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  اليهود في المدينة المنورة وضَمِن لهم حقوقهم كاملةً؛ ونصَّ على العيش المشترك بينه وبينهم، لكنّ خيانتهم ونقضهم للعهود والمواثيق حالا دون الاستمرار بهذه المعاهدة. 

رحمته في الجهاد

وقد نصّ القرآن الكريم على حسن التعامل مع غير المسلمين، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[الممتحنة: 8]، وشدّد النبيّ صلى الله عليه وسلم  النكير على من يتعرَّض لأهل الكتاب، ونصَّب نفسه خصماً له فقال: «ألا مَن ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة» [أبو داود].

وتوعّد من يقتل معاهَداً بنار جهنّم فقال: «ألا ومن قتل معاهداً له ذمَّة الله وذمَّة رسوله، حرّم الله عليه ريح الجنة، وإنّ ريحها ليوجد من سبعين عاماً» [الأموال لابن زنجويه].

فالإسلام دين الإنسانيّة، وهو الذي احتضن الديانات وضمن الحقوق لجميع الطوائف والملل، ولا يحتاج إلى دعواتٍ مشبوهةٍ ليتعايش مع الآخرين.

على أنّ حقيقة البيت الإبراهيمي ليست كما يدّعون بأنّها دعوة إلى الألفة والتعايش، بل هي دعوة إلى مصادرة الحرّيّة الدينيّة من المسلمين، قال شيخ الأزهر د. أحمد الطيب: (إنّ فكرة الديانة الإبراهيميّة تصادر حرّيّة الاعتقاد، وحرّيّة الإيمان والاختيار).

وقد أعلن الأزهر تبرّؤه من أيّ دعوةٍ تسعى إلى دمج الديانات السماوية الثلاث (الديانة الإبراهيمية) مؤكّداً أنَّ إعلان رفضه لا يتعارض مع التعاون في المشتركات بين الأديان، لتقديم العون والمساعدة للناس وتخفيف آلامهم وأحزانهم.

وأصدرت الأمانة العامّة لمجمّع البحوث الإسلاميّة في الأزهر الشريف بياناً رسميّاً في استنكار مشروع الديانة الإبراهيميّة ورفضه، وبيان خطره الديني والسياسي [ينظر: صحيفة المصري اليوم الإلكترونيّة: 23/2/2023م].

ولم يقتصر استنكار الديانة الإبراهيميّة على علماء المسلمين فحسب، بل أنكرها رجال الكنيسة أيضاً، ومن بينهم الراهب القمص (بنيامي) فقد قال: (إنّ الديانة الإبراهيميّة دعوةٌ مُسَيّسةٌ تحت مظهرٍ مخادعٍ واستغلال للدين) [BBC 10 تشرين الثاني- 2021م].

كما استنكر رجل الأعمال علاء مبارك المهتم بالشؤون السياسيّة والدينيّة مشروع الديانة الإبراهيمي، ووصفه بأنّه فكرة ماسونيّة تدعو إلى هدم الإسلام، فقال: (فكرة الديانة الإبراهيميّة الجديدة ليست مصطلحاً إسلاميّاً، ولا متداوَلاً في مصادرنا ولا في تراث أئمّتنا، وليس لها أصلٌ في الشرع، فضلاً عن مضمونها المناقض لنصوص الشريعة الإسلاميّة ومقاصدها، والذي تعلّمناه هو مصطلح دين الإسلام الذي هو دين إبراهيم وجميع الأنبياء، فما الهدف من هذه الفكرة… هي فكرة ماسونيّة، فلسفيّة النزعة، سياسيّة النشأة، تستهدف الإسلام والمسلمين) [صحيفة cnn العربية- 23 مارس 2023م].

والخلاصة: فإنّ الدعوة إلى الديانة الإبراهيميّة لونٌ من ألوان الحرب الفكريّة وخطط السياسة الماسونيّة، تهدف إلى تقويض الدين الإسلامي وهيمنة الدول المعادية على المنطقة.  

التعايش منهج حياة

غلاف التعايش منهج حياة
التعايش منهج حياة

التعايش منهج حياة
بقلم: أ.محمد زريع

Loading

التعايش منهج حياة

يسري النهرُ الجاري النقي عذباً في وديان الأرض ويسقي زرعها، فتراهُ يرويها عن اليمين تارةً وعن الشمال تارةً أخرى… والماءُ واحد، والنَّاسُ على أطرافِه ينهَلُون منه عَذْبَ الماء، كلٌّ يأخذ بِقَدرِ حاجَتِه… والماءُ واحد.

على مثلِ هذه الصورة كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو النبع الصافي وذروة الصفاء، يضع العلمَ بين يدَي الصحابة ومَن بعدَهم، وكان العلم يجري بالناس كما يجري النهر…

فينهَلُ هذا من جانبٍ والآخر من الضفة الأُخرى، كلاهما ينهل والعِلمُ واحد، ولكن ما يختلف هو طريقة النَّهل…

وهكذا غرف الأئمَّة الأربعة رضوان الله عليهم من كلام المولى سبحانه وتعالى (القرآن الكريم)، وحكمة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم (الحديث النبوي)، حتَّى وضعوا قواعدَ تشريعيةً في الفقه وأصوله…

هم لم يضعوا شرعاً جديداً مختلفاً، لكنَّ كلّاً منهم فهم فهماً جديداً فوضع قاعدةً قد تختلف في فروعها عن قاعدةٍ وضعها الآخر…

الأئمَّة الأربعة –مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل– كلُّهم متَّفقون على مرجعية الأحكام، فكيف يكون ذلك وبينهم نسبٌ في العلم!

فأبو حنيفة عاصرَ مالك، وشهد له مالك بالخيرية، والشافعي أخذ العلمَ عن مالك وعن تلميذ أبي حنيفة محمَّد بن الحسن الشيباني، وأحمد بن حنبل أخذ العلم عن الشافعي ولازمَه…

رحمته في الجهاد

وقد كمَّلَ علمُ بعضهم بعضاً، فاشتغل الإمام مالك بالحديث، واشتغل الإمام أبو حنيفة بعلم الفقه، والإمام الشافعي في الأدب والأصول، والإمام أحمد في الحديث ودراسته.

اتَّسم ذلك العصر  بالتعايش وروح الحوار بين العلماء. صحيحٌ أنَّ الأئمَّة اختلفوا في بعض الفروع، لكن لم نجد بينهم  خِلافاً، بل كان اختلافاً بأرقى معاني التفاهم والتعايش.

وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه اللهسُئل مالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة وناظرته؟ فقال: “نعم، رأيت رجلا لو نظر إلى هذه السارية وهي من حجارةٍ فقال إنَّها من ذهب لقام بحجَّته [سير أعلام النبلاء].

ومن ذلك حفظ الودَّ والفضل بينهم، ومن ذلك ما رُوي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: “ما أحدٌ أمسكَ في يده محبرةً وقلماً إلَّا وللشَّافعي في عنقه مِنَّة” [سير أعلام النبلاء].

ويُروى عن الإمام الشافعيّ أنَّه كان يزور قبر الإمام أبي حنيفة ويصلِّي ركعتين ويسأل الله الفتوح في العلم، وممَّا روي عنه قوله: “الناسُ في الفقه عِيالٌ على أبي حنيفة” [منازل الأئمة الأربعة].

نعم… لا نُنْكر أنَّ الزمان مرَّ على عصورٍ سادَ فيها التعصُّب بين بعض الطلاب انتصاراً لمذهبهم، لكنَّ هذا الزمن ليس دليلاً على أنَّ المذاهب تؤدِّي إلى التعصُّب، إنَّما هي مرحلةٌ من مراحل التاريخ حصل فيها ذلك خطأً وقوَّمَ العلماء ذلك.

فعصر الأئمَّة الأربعة كان من العصور التي يفخر المسلمون بها وبعلمائها، وبتلك النهضة العلمية التي كان أساسها التعايش الحقيقي، حيث كانوا قدوةً في الحياة، وقدوةً في العلم.  

بقلم: أ.محمد زريع

العناد

غلاف تصميم مقالة العناد
تصميم مقالة العناد

العناد

Loading

العناد

قالت الأم الحنون: ولدي حبيبي ارتدي سترةً كي تقيك من برد الشتاء.

فأجاب الشاب المعتدُّ بنفسه وهو في ريعان شبابه: أمي لست بحاجة لذلك، لقد أصبحت قادراً على فعل ما ينبغي فعله!

لقد عانى هذا الشاب عند عودته من نوبة بردٍ شديدة، لأنَّه عاند أمَّه ولم يصغ جيداً للكلام الذي ينبغي أن يفهمه ليعود على نفسه بالمصلحة والخير… لقد أغلق باب الحوار وسدَّ باب الخير بسبب عناده.

قال الأستاذ المعلِّم والمربِّي لطالبٍ من طلَّابه: لقد أكثرت الشغب والكلام وتضييع الوقت داخل الحصَّة الدرسية، وهذا سيؤثِّر على دراستك وسيتراجع مستواك العلمي في المستقبل.

أجاب الطالب بقلبه وقد كاد يجيب بلسانه: إنني سعيدٌ بأن أضحك طيلة الحصَّة وأجذب أنظار الطلاب نحوي، إنني بطل الصف ومحبوب الجميع، وسأستدرك دراستي في البيت أو في آخر العام!

جاء الامتحان وندم هذا الطالب أشدَّ الندم فالمسألة التي جاءت كرَّر شرحها المعلم في الصف أكثر من مرَّةٍ، ولكنه كان مشغولاً بإضحاك الطلاب ولم ينتبه إلى الحل فرسب… لقد أغلق باب الحوار، وسدَّ باب الخير بسبب عناده.

قال الأب القدوة لولده: هيا إلى الصلاة يا قرَّة العين، ففيها النشاط والطاعة ورضا الله عزَّ وجلَّ.

لكنَّ الولد المدلَّل المغترَّ بنفسه لم يأبه لنداء والده، بل قال في قرارة نفسه: ما زلت شاباً والوقت وقتي والمقاطع التي أشاهدها على الجوال ممتعةٌ ولا يمكن تفويتها.

لقد صار في سنِّ الزواج، ولكنَّ الأسرة التي تقدَّم لخطبة فتاتهم رفضته لأنَّه لا يصلِّي، لقد ندم وعاهد نفسه على الالتزام بصلاته، وعلم أنَّ عناده كان سبباً في إغلاق باب الحوار، وسدٌّ لباب الخير.

قال الطبيب له: إن أصررت على تناول السكّر بكميَّاتٍ كبيرةٍ فسيؤثِّر ذلك على صحَّتك وتصاب بأمراضٍ كثيرة.

إنَّه رجلٌ يحبُّ السكَّر ولا يأبه لكلام الطبيب، وليكن ما يكون ما دام يشعر بلذَّة السكَّر وحلاوته.

لقد أخبره الطبيب المعالج بأنَّ قدمه المجروحة لم تعد قادرةً على الشفاء، وسيضَّطر لبترها حتَّى لا يتفشَّى المرض في كامل الجسم، لقد ندم أشدَّ الندم وبكى طويلاً لأنَّه أغلق باب الحوار وسدَّ باب الخير بعناده.

إنَّ ما ذكر آنفاً وغيره من الأمثلة الكثيرة هو نفسه ما يحصل للإنسان عندما يغلق باب الحوار مع الحقّ ولا يقبل هداية الله عزَّ وجلَّ فيسدُّ أبواب الخير الكثيرة، ويصل به عناده إلى عقوبة الله عزَّ وجلَّ وحرمانه من سعادة الدِّين في حياته الدنيا وفي آخرته أيضاً.

لقد حصل هذا مع اليهود في تعاملهم مع الأنبياء أوَّلاً، ومع سيِّدنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ثانياً. 

رحمته في الجهاد

عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: ((انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا كَنِيسَةَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، يَوْمَ عِيدٍ لَهُمْ، فَكَرِهُوا دُخُولَنَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يُحْبِطِ اللَّهُ عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ الْغَضَبَ، الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ».

قَالَ: فَأَسْكَتُوا مَا أَجَابَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ ثَلَّثَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ:

«أَبَيْتُمْ، فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَنَا الْحَاشِرُ، وَأَنَا الْعَاقِبُ، وَأَنَا النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى، آمَنْتُمْ أَوْ كَذَّبْتُمْ».

ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كِدْنَا أَنْ نَخْرُجَ نَادَى رَجُلٌ مِنْ خَلْفِنَا: كَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: فَأَقْبَلَ.

فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أَيَّ رَجُلٍ تَعْلَمُونَي فِيكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ؟

قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فِينَا رَجُلٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ، وَلَا أَفْقَهُ مِنْكَ، وَلَا مِنْ أَبِيكَ قَبْلَكَ، وَلَا مِنْ جَدِّكَ قَبْلَ أَبِيكَ.

قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ لَهُ بِاللَّهِ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، الَّذِي تَجِدُونَهُ فِي التَّوْرَاةِ، قَالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ، وَقَالُوا فِيهِ شَرًّا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبْتُمْ لَنْ يُقْبَلَ قَوْلُكُمْ، أَمَّا آنِفًا فَتُثْنُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا أَثْنَيْتُمْ، وَلَمَّا آمَنَ أَكْذَبْتُمُوهُ، وَقُلْتُمْ فِيهِ مَا قُلْتُمْ، فَلَنْ يُقْبَلَ قَوْلُكُمْ».

قَالَ: فَخَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[الأحقاف: 10]                                                        [أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم/23984/]

ولقد سار على هذا النهج من العناد كفَّار قريش فكان لهم مثل ما كان لسابقيهم من المعاندين:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: (سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ، فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ قَبْلَهُمْ، قَالَ: “لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ” فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ[الإسراء: 59].                                    [أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم/2333 /]

والمعنى: (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) أي: لما أرسلنا الآيات وكذَّبوا بها أهلكناهم، ولو أرسلناها إلى هؤلاء، لكذَّبوا بها، واستحقُّوا الإهلاك وعذاب الاستئصال، وقد كنّا حكمنا بإمهالهم لإتمام نشر دعوة محمَّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.                       [التفسير المنير: د. وهبة الزحيلي (15/ 104)].

أخيراً: قالوا في تعريف العناد: هو الاعوجاج والخلاف، وقيل: المبالغة في الإعراض ومخالفة الحق. [التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 248)].

وقالوا أيضاً: العناد: ردُّ الْحق مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ حقّ. [جامع العلوم في اصطلاحات الفنون (2/271)].

والحمد لله ربِّ العالمين

#مركز حوار | Facebook           #الحوار           #مركز_حوار             #ساحةٌ_تجمعنا               #منصَّة_حوار

#العناد